الفصل الأوّل كلمة التقيّةوهي إمّا مأخوذة من الثلاثي المجرّد «تقى يتّقي تقيّة» وإمّا من الثلاثي المزيد «أتّقى يتّقي اتّقاء وتقيّة» وعلى كلا التقديرين تكون مصدراً ، كما هو المستفاد من كلمات
اللغويين ، وتكون بمعنى التحذّر والتحفّظ مطلقاً ، ولا يكون اسماً
للمصدر كما ذهب إليه الشيخ الأنصاري(قدس سره) .
هذا بحسب اللغة .
وأمّا في إصطلاح الفقهاء: فقد عرّفه الشيخ الأعظم(3):
«بأنّها التحفّظ عن ضرر الغير في قول أو فعل مخالف للحقّ» .
وفي هذا التعريف قد اُخذف قيود ثلاثة:
الأوّل: التقييد بأنّ القول أو الفعل لأجل التحفّظ عن ضرر الغير ، سواء كان ضرراً عاجلاً أو آجلاً ، وسواء كان الضرر ماليّاً أو عرضيّاً أو نفسيّاً .
الثاني: الموافقة في مجرّد القول أو العمل ، واحترز بهذا عن الموافقة بحسب
الإعتقاد .
الثالث: تقييد القول والفعل بأنّهما مخالفان للحقّ .
وقد وقع الخلاف في القيد الأوّل والثالث ، فذهب جمع إلى أنّ
التقيّة إذا كانت خوفيّاً ، فمعناها التحفّظ لأجل دفع الضرر ، وهذا
البيان لا يجري في التقيّة المداراتيّة المستفادة من بعض الروايات التي لا يكون في
مخالفتها ضرر لا عاجلاً ولا آجلاً .
وذهب بعض(4) إلى أنّ
التقيّة أعمّ من أن يكون مخالفاً للحقّ أو موافقاً له ، ففعل المنافقين في
قبال المسلمين يكون من موارد التقيّة ويصدق عليه عنوانها وإن كان موافقاً
للحقّ .
وفيه أنّ فعل المنافقين خارج عن التقيّة في إصطلاح الفقهاء ،
فإنّهم في مقام بيان التقيّة التي ترتّب عليها أحكام خاصّة: تكليفيّة
ووضعيّة ، ولا يترتّب على فعلهم أثر من هذه الآثار .
وليعلم أنّ التقيّة بحسب الفقه دائرتها أوسع من التقيّة بحسب
العقل . فإنّها واجبة حتّى في صورة الأمن وعدم جود المداراة أيضاً كما ورد في
المأثور: «ليس منّا من لم يجعل التقيّة شعاره ودثاره مع
من يأمنه ليكون سجيّة له مع من يحذره» ، وفي هذه الصورة تكون واجبة
وإن لم يكن في البين خوف أو مداراة أو كتمان .
|