الفصل الخامس في ذكر الموارد التي لا تكون التقيّة مشروعة فيهاقد استثني في كلمات الفقهاء أربعة موارد ، وعلى حسب تجزئتنا يكون بعضها مستثنى من التقيّة بالمعنى الأخصّ فقط ، وبعضها مشتركة يستثنى منهما معاً .
المورد الأوّل: وهو من الموارد المشتركة بينهما وهو فيما إذا كانت التقيّة موهنة
للمذهب أو لاُصول الأحكام موجبة لفساد الدين ، وبعبارة اُخرى كانت سبباً
لتحقّق المعاصي الكبيرة التي لا يرضى الشارع بتحقّقها ولو بنحو التقيّة ،
كهدم الكعبة والمشاهد المشرّفة وتفسير باطل لكلام الله تبارك وتعالى ، ففي هذه
الموارد لا تكون التقيّة مشروعة بوجه . ويستدلّ على ذلك بأدلّة:
الدليل الأوّل: أنّ تقدّم أدلّة التقيّة على أدلّة سائر الواجبات
والمحرّمات من باب الحكومة ، وهي ممنوعة في الموارد التي تكون سبباً لوهن
الدين وموجباً لفساد المذهب ، فإنّ أدلّة التقيّة وإن كانت ناظرة إلى مثل دليل
الصلاة وغيرها ، ولكن لا تكون ناظرة إلى مثل هذه المحرّمات العظيمة .
الدليل الثاني: أنّه لو فرضنا شمول أدلّة التقيّة بالنسبة إلى جميع الموارد ، فمن الواضح إنصراف الإطلاقات إلى الموارد التي لا تكون موجبة لفساد الدين .
ولا يخفى أنّ هذين الدليلن تامّان بالنسبة إلى التقيّة بالمعنى الأخصّ ، وقاصران عن التقيّة بالمعنى الأعمّ .
الدليل الثالث: وهو المختصّ بالتقيّة بالمعنى الأعمّ ، وقد
قلنا سابقاً بجريان قواعد التزاحم فيها ، ومن البديهي أنّ حفظ الدين أهمّ
بمراتب من التقيّة .
الدليل الرابع: ما جاء في بعض الروايات المعتبرة من أنّ التقيّة
إذا كانت مستلزمة لفساد الدين فغير جائزة:
1 ـ ما عن عليّ بن إبراهيم ، عن هارون بن مسلم ، عن مسعدة بن
صدقة عن أبي عبد الله(عليه السلام)
وفيه: وتفسير ما يتّقى مثل أن يكون قوم سوء ظاهر حكمهم وفعلهم على غير حكم
الحقّ وفعله ، فكلّ شيء يعمل المؤمنن بينهم لمكان التقيّة ممّا
لا يؤدّي إلى الفساد في الدين فإنّه جائز(17) .
والرواية معتبرة سنداً ، فإنّ مسعدة بن صدقة وإن لم يكن في مورده
توثيق خاص لكن روايته معتبرة من جهتين:
الجهة الاُولى: أنّ له توثيقاً عامّاً لوجوده في أسناد كتاب كامل
الزيارات وتفسير عليّ بن إبراهيم ، وهذا المقدار يكفي في الوثاقة مالم يكن في
مقابله تضعيف خاصّ معتبر .
الجهة الثانية: أنّ ما رواه مطابق من جهة المضمون والمدلول لما
جاء في الروايات الصحيحة . فالرواية تامّة من حيث السند ، وأمّا وجه
الدلالة فإنّ فيها ضابطة كلّية لموارد التقيّة فقد حدّد الإمام(عليه السلام)مشروعيّتها بما إذا لم يؤدّي إلى الفساد في الدين .
2 ـ ما عن الشيخ الطوسي بإسناده عن محمّد بن الحسن الصفّار ، عن
يعقوب ، عن الحسن بن عليّ بن فضّال عن شعيب العقرقوفي ، عن أبي حمزة
الثمالي قال: قال أبو عبد الله(عليه السلام): . . . وأيم الله لو دعيتم لتنصرونا
لقلتم: لا نفعل إنّما نتّقي ، ولكانت التقيّة أحبُّ إليكم من آبائكم
واُمّهاتكم(18) .
والمستفاد منها أنّ التقيّة غير مشروعة فيما إذا وجبت نصرة الإمام(عليه السلام) فإنّ نصرته من أعظم الفرائض ، والتقيّة إن كانت مؤدّية إلى عدم
نصرته فغير جائزة .
المورد الثاني: وهو أيضاً من الموارد المشتركة ، مسألة
الدماء ، فإنّ التقيّة مشروعة فيما إذأ لم تبلغ الدم ، فإذا بلغ فلا
تقيّة ، فلو اُكره شخص على قتل نفس محترمة لكان القتل من جهة التقيّة غير
مشروعة ، والدليل عليه مضافاً إلى أنّه ادّعى ابن ادريس عدم الخلاف في
ذلك ، رواية:
محمّد بن يعقوب ، عن ابي عليّ الأشعري ، عن محمّد بن عبد
الجبّار ، عن صفوان ، عن شعيب الحدّاد ، عن محمّد بن مسلم ،
عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: إنّما جعلت
التقيّة ليحقن بها الدم ، فإذا بلغ الدم فليس تقيّة(19) .
والرواية صريحة في عدم مشروعيّة التقيّة فيما إذا بلغ الدم . وهنا
إشكال يجب طرحه والجواب عنه ، وهو أنّ المثال في هذا المورد منحصر بمسألة
الإكراه ، بينما أنّ بين التقيّة والإكراه فرقاً من وجوه مختلفة:
الوجه الأوّل: من جهة التعريف ، فإنّ تعريف التقيّة على ما
جاء في رواية مسعدة أن يكون قوم سوء ظاهر فعلهم وحكمهم على خلاف حكم الحقّ ،
والتحفّظ عن القوم بإتيان الفعل الموافق لمذهبهم يكون تقيّة ، وأمّا تعريف
الإكراه أن يكره شخص على إتيان فعل ومع التوعيد على تركه ، فالإكراه أمر إضافي
فيما بين المكرِه والمكرَه والمكرَه عليه مع وجود التوعيد على ترك المكرَه
عليه ، بخلاف التقيّة الخالية عن التوعيد والمكرِه (بالكسر) .
الوجه الثاني: أنّ التقيّة تصلح لأن تكون متعلّقة للحكم الشرعي
كالوجوب والإستحباب ، بخلاف الإكراه ، فلا يقال: إنّ العمل
المكرَه عليه واجب أو مستحبّ ، بل غايته أنّ الإكراه يرفع الحكم الإلزامي
المتعلّق به وهي الحرمة .
الوجه الثالث: الفرق بينهما من جهة المتعلّق ، فإنّ التقيّة
مشروعة لحفظ الدم من دون فرق بين دم المتّقي ودم غيره ، بخلاف الإكراه ،
فإنّ النظر فيه إلى نفس المكرَه فقط .
وبعد هذه الوجه الثلاثة لا يصحّ أن يقال إنّ مورد الروايات التي تدلّ
على عدم مشروعيّة التقيّة في الدم ، هو الإكراه كما صار إليه الجميع .
وقد أجاب عن هذا الإشكال السيّد الإمام الخميني(قدس سره)(20) بالأجوبة الثلاثة:
الجواب الأوّل: أنّ التقيّة أعمّ من الإكراه من حيث اللغة ،
فالتقيّة فيها عبارة عن مطلق الاجتناب والتجنّب ، والتجنّب عن المكرَه عليه
من مصاديق التجنّب المطلق ، فعلى هذا يكون الإكراه من مصاديق التقيّة .
واللازم حمل كلمة التقيّة في الروايات على التقيّة بالمعنى اللغوي ، وأمّا ما
جاء في رواية مسعدة في تفسير التقيّة فإنّه في مقام بيان المصداق لها ، وليس
في مقام بيان حقيقتها .
الجواب الثاني: يستفاد من بعض الروايات عدم الفرق بين التقيّة والإكراه:
1 ـ عن عليّ بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ،
عن جميل ، عن محمّد بن مروان ، قال: قال لي أبو عبد الله(عليه السلام): ما منع ميثم(رحمه الله) من التقيّة؟
فوالله لقد علم أنّ هذه الآية نزلت في عمّار وأصحابه: (إلاّ من اُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌ بِالإيمان)(21)والروايه وإن كانت ضعيفة لمجهوليّة محمّد بن مهران ، إلاّ أنّ
الإمام(عليه
السلام) استشهد لجواز التقيّة بآية الإكراه ،
فهي تدلّ على عدم الفرق بين الإكراه والتقيّة .
2 ـ رواية درست الواسطي عن ابي عبد الله(عليه السلام) قال: ما بلغت التقيّة أحد ما بلغت تقيّة أصحاب الكهف ،
إنّهم كانوا يشدّون الزنانير ويشهدون الأعياد ، فآتاهم الله أجرهم مرّتين(22)
فهذه الرواية بضميمة رواية عبد الله بن يحيى(23)
عن أبي عبد الله(عليه السلام) «أنّه ذكر أصحاب الكهف
فقال: لو كلّفكم قومكم ما كلّفهم قومهم فقيل له: وما كلّفهم قومهم؟
فقال: كلّفوهم الشرك بالله العظيم فأظهروا لهم الشرك وأسرّوا الإيمان حتّى
جاءهم الفرج» . تدلاّن على أنّ الإكراه من مصاديق التقيّة ، فإنّ أصحاب
الكهف قد اُكرهوا وكلّفوا الشرك بالله ، وقد سمّى الإمام الصادق(عليه السلام) هذا الإكراه بالتقيّة ، فتدبّر .
3 ـ التعبيرات العامّة الواردة في روايات التقيّة كقوله: التقيّة
في كلّ ضرورة ، أو التقيّة في كلّ شيء يضطرّ إليه ابن آدم ، ولا شكّ في
أنّ الإكراه من مصاديق الضرورة والاضطرار .
الجواب الثالث: لو أغمضنا عن الجواب الأوّل والثاني وقلنا بوجوب
الفرق الموضوعي بين التقيّة والإكراه ، لكن نقول بأنّ الإكراه ملحق بالتقيّة
من حيث الحكم ، والشاهد للإلحاق قوله(عليه السلام) في رواية بكر بن محمّد: إنّ التقيّة ترس المؤمن ولا إيمان لمن
لا تقيّة له ، فقلت: جُعلت فداك ، قول الله تبارك وتعالى: (إلاّ من اُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌ بِالإيمان) ، قال: وهل التقيّة إلاّ هذا .
فهذه الرواية دالّة على إتّحاد التقيّة مع الإكراه من حيث
الموضوع ، ولا أقلّ من حيث الحكم ، فكما أنّ التقيّة غير مشروعة فيما
إذا بلغ الدم فكذلك الإكراه .
(إنتهى خلاصة ما ذكره السيّد الإمام) . وهذا البيان وإن كان
متيناً ودقيقاً ، إلاّ أنّه لا ينحلّ به ما ذكره المستشكل في الوجه
الثاني ، فتدبّر .
والتحقيق أن يقال: إنّ الإكراه من مصاديق التقيّة بالمعنى
الأعمّ ، ويختلف الإكراه عن التقيّة بالمعنى الأخصّ في التعريف والغاية
والموضوع والحكم .
وبهذا البيان تظهر المناقشة فيما ذكره(قدس سره) من
أنّ الروايات في مقام بيان مصداق التقيّة ، فإنّ رواية مسعدة بن صدقة صريحة
في مقام تفسير التقيّة بالمعنى الأخصّ ، فتدبّر .
المورد الثالث: وهو المستثنى من التقيّة بالمعنى الأخصّ فقط ولا
يرتبط بالتقيّة بالمعنى الأعمّ ، وهو أنّه قد يقال بعدم جريان التقيّة في
الاُمور الخمسة: المسح على الخفّفين ، ومتعة الحجّ ، وشرب
المسكر ، وشرب النبيذ ، والجهر ببسم الله . وبما أنّ المدرك في
التقيّة بالمعنى الأخصّ هي الروايات الموجودة ، فيجب الفحص عمّا ورد في
الروايات . فنقول: إنّ هناك طائفتين من الروايات .
الطائفة الاُولى: ما دلّ بظاهره على عدم جريان التقيّة في هذه الاُمور .
1 ـ عن عليّ بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ،
عن هشام بن سالم ، عن أبي عمر الأعجمي (ابن عمر الأعجمي) عن أبي عبد الله(عليه السلام) في حديث أنّه قال: «لا دين لمن لا تقيّة له ،
والتقيّة في كلّ شيء إلاّ في النبيذ والمسح على الخفّين»(24) .
2 ـ عن عليّ بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن حمّاد ، عن
حريز ، عن زرارة قال: قلت له: في مسح الخفّين تقيّة؟ فقال:
ثلاثة لا أتّقي فيهنّ أحداً: شرب المسكر ، ومسح الخّفين ، ومتعة
الحجّ ، قال زرارة: ولم يقل الواجب عليكم أن لا تتّقوا فيهنّ أحداً(25) .
3 ـ عن أبي عليّ الأشعري ، عن الحسن بن عليّ الكوفي ، عن
عثمان بن عيسى ، عن سعيد بن يسيار ، قال: قال أبو عبد لله(عليه السلام): ليس في شرب النبيذ تقيّة(26) .
4 ـ في الخصال بسنده عن عليّ(عليه السلام) في حديث الأربعمأة قال: ليس في شرب المسكر والمسح على الخفّين
تقيّة(27) .
الطائفة الثانية: ما دلّ بظاهره على جريان التقيّة في هذه الاُمور:
1 ـ محمّد بن الحسن بإسناده عن الحسين بن سعيد ، عن فضالة ،
عن حمّاد ابن عثمان ، عن محمّد بن النعمان ، عن أبي الورد ،
قال: قلت لأبي جعفر(عليه السلام):
إنّ أبا ظبيان حدّثني أنّه رأى عليّاً(عليه السلام) أراق الماء ، ثمّ مسح على الخفّين فقال: كذب أبو ظبيان أما
بلغك قول عليّ(عليه السلام): فيكم سبق الكتاب
الخفّين ، فقلت: فهل فيهما رخصة؟ فقال: لا ،
الاّ من عدوّ تتّقيه ، أو ثلج تخاف على رجليك(28) .
2 ـ محمّد بن عمر الكشّي في كتاب الرجال ، عن نصر بن
الصبّاح ، عن إسحاق بن يزيد بن محمّد البصري ، عن جعفر بن محمّد بن
الفضل (الفضيل) ، عن محمّد بن عليّ الهمداني ، عن درست بن أبي
منصور ، قال: كنت عند أبي الحسن موسى(عليه السلام)وعنده الكميت بن زيد فقال للكميت: أنت الذي تقول:
فالآن صرت إلى اُميّـ *** ـة والاُمور «لها» إلى مصائر
قال: قلت ذاك والله ما رجعت عن إيماني ، وإنّي لموال
ولعدوّكم لقال ، ولكنّي قلته على التقيّة قال: أما لئن قلت ذلك إنّ
التقيّة تجوز في شرب الخمر(29) .
وفي تفسيرها احتمالان: الأوّل: أنّ المراد بقوله:
لئن قلت ذلك إلى آخره ، أنّ هذا الشعر من باب جائز ، كما أنّ شرب الخمر
جائز من باب التقيّة ، وعلى هذا التفسير تكون الرواية من الطائفة
الثانية .
الإحتمال الثاني: أنّ الإمام(عليه السلام) لم يقبل
عذر الكميت وقال في ردّ عذره: إنّ التقيّة إن كانت واسعة بهذا المقدار حتّى
يجوز الشعر في مدح بني اُميّة لكانت مجوِّزة لشرب الخمر مع عدم جوازه ولو
تقيّة ، وعلى هذا الإحتمال تكون من الطائفة الاُولى .
3 ـ عن عدّة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ، عن محمّد بن عبد
الحميد ، عن يونس بن يعقوب ، عن عمرو بن مروان ، قال: قلت
لأبي عبد الله(عليه السلام): إنّ هؤلاء ربّما
حضرت معهم العشاء فيجيئون بالنبيذ بعد ذلك ، فإن لم أشربه خفت أن يقولوا
فلانيٌ فكيف أصنع؟ فقال: اكسره بالماء . قلت: فإن أنا كسرته
بالماء أشربه؟ قال: لا(30) .
فهذه الطائفة تدلّ على جريان التقيّة في الاُمور المذكورة ، فيقع
التعارض بحسب الظاهر بين الطائفتين ، وقد ذكر للجمع بينهما طرق مختلفة .
الطريق الأوّل: أن يقال(31):
إنّ عدم جريان التقيّة في الاُمور المذكورة من إختصاصات الأئمّة المعصومين(عليهم السلام) والطائفة الاُولى ناظرة إلى هذا المطلب ، والشاهد على ذلك
التعبير بصيغة المتكلّم وحده ، أعني لا أتّقي . ولأجل هذا التعبير فهم
زرارة اختصاص الحكم بالإمام(عليه السلام) .
ويرد على هذا الطريق:
أوّلاً: قد وردت في بعض النسخ بصيغة المتكلّم مع الغير ، أو
بصيغة المضارع المجهول .
ثانياً: أنّ زرارة وإن فهم الاختصاص من كلام الإمام ، لكن فهمه ليس بحجّة .
ثالثاً: أنّ الإختصاص يحتاج إلى وجه معقول ، وما هو الفارق
بين التكتّف والمسح على الخفّين حتّى يقال باختصاص الثاني بالإمام وعدم اختصاص
الأوّل؟ . والظاهر عدم وجود الوجه للإختصاص عدا وجهين:
الوجه الأوّل: أنّ الأئمّة(عليهم السلام) من شؤونهم الإفتاء كسائر فقهاء العامّة ، والسلاطين في زمانهم لا
يمنعونهم عن الإفتاء بل يمنعون الناس عن الإجتماع حولهم ، فالروايات الدالّة
على عدم جواز التقيّة في هذه الموارد بصدد بيان الفتوى من جانب الأئمّة(عليهم السلام) .
الوجه الثاني: أنّ فتوى الأئمّة(عليهم السلام) في عدم جواز المسح على الخفّين ، ومتعة الحجّ ، وعدم جواز
شرب المسكر كان أمراً واضحاً بين الناس ، فلا معنى للتقيّة في ذلك .
وكلا الوجهين مخدوشان . أمّا الأؤّل فلمنافاته لظاهر
الروايات ، فإنّها ظاهرة في عدم جريان التقيّة فيها بعد كون الاُمور المذكورة
مفروغاً عنها من جهة الفتوى ، وأمّا الثاني فلأنّ وضوح الفتوى بين الناس كيف
يكون موجباً لإختصاص عدم التقيّة بالأئمّة(عليهم السلام) بل على هذا يلزم عدم مشروعيّة التقيّة للجميع ، من دون فرق بين
الإمام(عليه
السلام)وغيره .
فالطريق الأوّل للجمع غير صحيح لما عرفت .
الطريق الثاني: ما ذهب إليه السيّد الخوئي(قدس سره)(32) من أنّ خروج هذه الموارد لا يكون خروجاً حكميّاً ، بل
من باب التخصّص والخروج الموضوعي ، فإنّ التقيّة منتفية فيها شرطاً أو
موضوعاً ، وقد يقرّب بتقريبين:
التقريب الأوّل: أنّه في جميع هذه الموارد يمكن التخلّص عن
التقيّة دائماً ، فبهذا اللحاظ لا تجري التقيّة فيها; وفيه أنّ هذا مبنيّ على
شرطيّة عدم المندوحة مع ذهاب المشهور إلى عدم اعتباره .
التقريب الثاني: أنّ التقيّة تتحقّق في العمل الذي قد أفتى علماء
العامّه على وفق ذاك العمل على خلاف الإماميّة ، مع أنّه لم يفت أحد من
علمائهم بجواز شرب الخمر ، نعم يمكن جريان الإكراه والإجبار فيه ، لكن
هذا أمر آخر غير التقيّة; فلا معنى للتقيّة المصطلحة في شرب الخمر ، فإنّها
إنّما تتحقّق فيما إذا كان الأمر على خلاف مذهبهم ، أمّا مع الموافقة فلا
موضوع للتقيّة; هذا بالنسبة إلى شرب الخمر ، وأمّا علّة عدم جريان التقيّة في
متعة الحج فلعدم وجود شرط التقيّة فيها ، فإنّ من شرائطها خوف ترتّب الضرر
على خلافها مع إمكان تحقّق حجّ التمتّع من دون خوف الضرر ، فإنّ حجّ التمتّع
يكون في الظاهر كحج القران إلاّ في النيّة والتقصير ، والأوّل أمر قلبي لا
يجري فيه التقيّة ، والثاني يمكن أن يفعل في الخفاء .
وأمّا عدم جريانها في المسح على الخفّين لعدم وجود إجماع بينهم
فيه ، بل أكثرهم قائلون بالتخيير بين المسح على الخفّفين وغسل الرجلين ،
وجريان التقيّة في غسل الرجلين إجماعي بيننا ، فلا موضوع للتقيّة في المسح
على الخفّين .
ويرد على هذا التقريب:
أوّلاً: أنّ هذا البيان مخالف لظاهر الروايات ، فإنّ لسانها ظاهر في الخروج الحكمي لا الموضوعي .
ثانياً: أنّ الخروج الموضوعي كيف يجري في الجهر ببسم الله ،
فإنّ فقهاء العامّة قائلون بعدم جواز قراءة البسلمة ولا أقل كراهة قرائتها ،
والظاهر أنّه ليس أحد منهم يفتي بالجهر حتّى ينتفي موضوع التقيّة .
الطريق الثالث: ما ذهب إليه السيّد الإمام الخميني(33)
من أنّ المراد من عدم جريان التقيّة في شرب المسكر والمسح على الخفّين ومتعة
الحجّ ، عدم جريانها من حيث التقيّة المداراتيّة ، وأمّا التقيّة
الخوفيّة فيجري فيها .
ويرد عليه: أوّلاً أنّ كلمة التقيّة عند الاستعمال مطلقاً تنصرف
إلى التقيّة الخوفيّة ، وأمّا التقيّة المداراتيّة فتحتاج إلى قرينة
زائدة .
وثانياً: أنّه قد ذكر في بعض هذه الروايات أنّه لا دين لمن لا
تقيّة له(34)
والإلتزام بأنّ ترك التقيّة المداراتيّة موجب للخروج عن الدين مشكل جدّاً ،
سيّما على القول باستحباب المداراة مع العامّة ، كما ذهب إليه الشيخ
الأعظم .
الطريق الرابع: وهو الطريق الصحيح الذي اخترناه ولم يذكر في
كلمات القوم ، أن نقول: إنّ جريان التقيّة في شرب الخمر والمسح على
الخفّين ومتعة الحجّ يؤدّي إلى الفساد في الدين والمخالفة مع ما جاء في الكتاب
العزيز; وعلى هذا يكون وزان هذه الروايات وزان الروايات التي قد حدّد جريان
التقيّة بما لا يؤدّي إلى الفساد في الدين .
بيان ذلك: أنّ المراد من الدين ليس خصوص الإعتقادات ، بل
المراد ما يرتبط بالدين وما يكون من الدين قطعاً ، ومن الواضح أنّ ما جاء في الكتاب
العزيز يكون من الدين قطعاً ، فالمخالفة معه أو بغيره موجب لوهن الدين
وفساده .
فقد جاء حكم متعة الحجّ في قوله تعالى: (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ
فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْىِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّام
فِي الْحَجِّ وَسَبْعَة إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ
لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ)(35) ، وكذلك قد ذكر لزوم المسح على الرجلين في قوله تعالى: (وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلى
الْكَعْبَيْن)(36) ، وأيضاً حرمة شرب الخمر من ضروريات الدين مع التعرّض لها في
الكتاب أيضاً .
فتبيّن أنّ الأئمّة(عليهم السلام) لمّا
رأوا أنّ أنّ جريان التقيّة في هذه الاُمور مستلزم لتغيير الكتاب والمخالفة مع ما
جاء فيه فصرّحوا بعدم جريانها في هذه الاُمور .
فعلى هذا يرجع المورد الثالث من موارد الاستثناء إلى المورد الأوّل
الذي ذكرنا . هذا .
لكن يبقى في المقام مسألة الجهر بالبسملة ، والأمر فيه سهل; لخلوّ
أكثر الروايات التي تكون في مقام بيان موارد الاستثناء عن هذا المورد .
المورد الرابع: وهو الذي يستثنى من التقيّة بالمعنى
الأخصّ ، البراءة عن عليّ(عليه السلام) وسائر
الأئمّة(عليهم
السلام) ، وفيه روايات متعدّدة ، والبحث
عنها خارج عن مجال رسالتنا ويحتاج إلى بحث مفصّل .
|