الفصل السادس أنواع التقيّة

يستفاد من كلمات الفقهاء(رحمهم الله) أنّ التقيّة على أنواع أربعة:

الأوّل ـ التقيّة الإكراهيّة:وهي التي يكون منشأ التقيّة فيها الإكراه من قبل الغير ، والدليل على ذلك قوله تعالى: (إِلاَّ من أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالاِْيمَانِ)(37) وكون هذ ا النوع من التقيّة ، مبنيٌ على كون الإكراه من مصاديق التقيّة; أمّا بناءً على تباينهما فلا موضوع لهذا النوع ، وقد فصّلنا البحث في ذلك سابقاً .

الثاني ـ التقيّة الخوفيّة: وهي التقيّة المعروفة ، ويكون منشأ التقيّة فيها خوف ترتّب الضرر على الإنسان مالاً أو عرضاً أو نفساً ، والدليل عليها هي الأدلّة التي ذكرناها سابقاً في التقيّة بالمعنى الأعم; مضافاً إلى الروايات المتعدّدة وقد ذكرنا بعضها سابقاً فراجع .

الثالث ـ التقيّة الكتمانيّة: بمعنى التحفّظ عن إفشاء المذهب وإبراز أسرار أهل البيت(عليهم السلام) والدليل عليه هي الروايات التي ذكرها صاحب الوسائل كقوله(عليه السلام): يا  سليمان إنّكم على دين من كتمه أعزّه الله ومن أذاعه أذلّه الله(38) وغيره من الأحاديث الواردة في باب وجوب كتم الدين من غير أهله مع التقيّة ، فراجع .

الرابع ـ التقيّة المداراتيّة: وهي التي لا يكون فيها خوف أو إكراه أو كتمان دين ، بل شرّعت لأجل المداراة مع العامّة وجلب مودّتهم ووحدة الكملة بيننا وبينهم ولأجل شوكة الدين وإقتدار المسلمين; والدليل على ذلك أيضاً الروايات المتعدّدة التي ذكرها صاحب الوسائل في باب «وجوب عشرة العامّة بالتقيّة» وهي عبارة عن:

1 ـ ما عن محمّد بن يعقوب ، عن أحمد بن محمّد ، عن عليّ بن الحكم ، عن هشام الكندي ، قال: سمعت أبا عبد الله(عليه السلام)يقول: إيّاكم أن تعملوا عملاً نعيّر به ، فإنّ ولد السوء يعيّر والده بعمله ، كونوا لمن انقطعتم إليه زيناً ، ولا تكونوا عليه شيناً ، صلّوا في عشائرهم ، وعودوا مرضاهم ، واشهدوا جنائزهم ، ولا يسبقونكم إلى شيء من الخير فأنتم أولى به منهم ، والله ما عبد الله بشيء أحبُّ إليه من الخبء ، قلت: وما الخبء؟ قال: التقيّة(39) .

وهذه الرواية صحيحة سنداً ، ويستفاد منها:

أوّلاً: أنّ المداراة مع العامّة والحضور في مجالسهم ومساجدهم كان أمراً مطلوباً عند الأئمّة .

وثانياً: تسمية المداراة بالتقيّة ، فإنّ المداراة مع العامّة قد سمّيت عندهم بالتقيّة ، وعلى هذا يصطلح عليها بالتقيّة المداراتيّة .

2 ـ ما عن محمّد بن عليّ بن الحسين ، عن أبيه ، عن سعد ، عن أيوب بن نوح ، عن ابن أبي عمير ، عن سيف بن عميرة ، عن مدرك بن الهزهاز ، عن أبي عبد الله(عليه السلام)قال: رحم الله عبداً إجترّ مودّة الناس إلى نفسه فحدّثهم بما يعرفون وترك ما  ينكرون(40) .

3 ـ ما عن محمّد بن الحسن ، عن الصفّار ، عن محمّد بن الحسين ، عن عليّ ابن أسباط ، عن عليّ بن أبي حمزة ، عن أبي بصير ، قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن قوله الله عزّ وجلّ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا) قال: اصبروا على المصائب وصابروهم على التقيّة ورابطوا على من تقتدون به ـ (وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)(41) إلى غير ذلك من الروايات التي ذكرها صاحب الوسائل في أبواب الأمر والنهي ، وفي أبواب صلاة الجماعة ، وفي أبواب العشرة من كتاب الحج .

فالمطلوب عند الأئمّة(عليهم السلام) المعاشرة مع العامّة والصلاة في مساجدهم وعيادة مرضاهم ، وأمروا(عليهم السلام) بأنّكم إن استطعم أن تكونوا الأئمّة والمؤذّنين فافعلوا ، فإنّكم إذا فعلتم ذلك قالوا: هؤلاء الجعفريّة ، رحم الله جعفراً ما كان أحسن ما يؤدّب أصحابه ، وإذا تركتم ذلك قالوا: هؤلاء الجعفريّة ، ما كان أسوأ ما يؤدّب أصحابه(42) .

وفي هذا النوع من التقيّة نكات:

النكتة الاُولى: قد يتوهّم أنّ مطلوبيّة المداراة مع العامّة مشروطة بما إذا احتمل ترتّب ضرر على تركه ، فوجب حمل الروايات الواردة في المداراة على فرض خوف الضرر في ترك المداراة; ويدفعه كثرة الروايات المطلقة في ذلك ، مضافاً إلى مخالفته للكثير من التعابير الواردة في الروايات ، كالنهي عن أن تكونوا لنا شيناً وعن العمل الذي يكون تعييراً لهم(عليهم السلام) .

النكتة الثانية: هل المستفاد من الروايات وجوب المعاشرة معهم أو مطلق المطلوبيّة والرجحان؟

ذهب جمع منهم: صاحب الوسائل إلى الوجوب ، للأمر بها في الروايات ، وهو ظاهر في الوجوب ، ولهذا قال: «باب وجوب عشرة العامّة» ويستفاد من كلمات الشيخ الأعظم الاستحباب ، وهو الصحيح ، لأنّ الأمر فيها مسوق في مقام توهّم الحذر والمنع; لأنّ الأصحاب يتوهّمون حرمة المشاركة معهم وعدم صحّة الصلاة خلفهم وعدم مطلوبيّة المعاشرة معم . فالأمر في الروايات مسبوق بتوهّم الحذر ، ولا يكون ظاهراً في الوجوب . وعلى هذا يكون المعاشرة والمداراة معهم مستحبّاً; نعم لو كان ترك المداراة موجباً لوهن المذهب لكانت العشرة معهم واجبة وتركها محرّم لأجل حرمة وهن المذهب لا لنفسها .

النكتة الثالثة: هل المداراة مختصّة بزمان شوكة العامّة وإقتدارهم ، كما في زمن الأئمّة(عليهم السلام) أم لا تختص بذلك؟ ذهب المحقق الهمداني إلى الأوّل ، وخالفه جمع منهم السيّد الخوئي ، وهو الحقّ ، والدليل على ذلك أمران:

الأمر الأوّل: أنّ الاختصاص متوقّف على كون الملاك في هذا النوع من التقيّة خوف ترتّب الضرر ، مع أنّا قلنا سابقاً: إنّ التقيّة المداراتيّة في قبال الخوفيّة ، وملاكها المداراة ووحدة الكملة .

الأمر الثاني: إطلاق بعض الروايات كقوله(عليه السلام): إنّ الصلاة خلفهم كالصلاة في الصف الأوّل خلف رسول الله ، فإطلاق هذا الحديث مع هذا التعبير العظيم لا يناسب الإختصاص .

النكتة الرابعة: هل التقيّة المداراتيّة مسوغة لإرتكاب الحرام ، كالحضور في مجالس الرقص والفساد ، أو ترك الواجب ، كما أنّ التقيّة الخوفيّة مسوغة له أم لا؟ الصحيح أنّها غير مسوغة لذلك ، والدليل على ذلك أنّ المستفاد من الروايات الواردة في هذا النوع من التقيّة أنّ المداراة منحصرة في الحضور في المجالس الدينيّة والإجتماعات التي مرتبطة بالشرع ، على أنّ مشروعيّة التقيّة لأجل أنّ تركها موجب لوهن المذهب وإرتكاب الحرام ولو من أجل التقيّة مساوق لوهن المذهب وموجب لتضعيف أهله وتعيير أئمّتنا(عليهم السلام) .

تكملة:

هل التقيّة الخوفيّة والإكراهيّة مسوغتان لكلّ شيء ما عدا الدم . وبعبارة اُخرى: هل يكون دائرتهما واسعة لجميع الموارد من المال والعرض والنفس ومن حقوق الله وحقوق الناس إلاّ الدم أم لا؟

ذهب جمع إلى الشمول والعموميّة ، والدليل على ذلك أمران:

الأمر الأوّل: العمومات الواردة في روايات التقيّة كقوله(عليه السلام): «التقيّة في كلّ شيء حتّى يبلغ الدم» كما ورد في رواية محمّد بن مسلم ، وموثّقة أبي حمزة الثمالي ، ومرسلة الصدوق ، بدعوى أنّ لفظة «التقيّة» شاملة لجميع أنواعها من الخوفي والإكراهي والمداراتي ، كما أنّ كلمة «كلّ شيء» ظاهرة في جميع أفرادها من الواجبات والمحرّمات وحقوق الله وحقوق الناس ما عدا الدم .

وفيه أوّلاً: أنّ كلمة التقيّة تنصرف إلى خصوص التقيّة الخوفيّة .

وثانياً: ما ذكره الإمام الخميني(43) من أنّ المستفاد من الرواية هو السلب الكلّي أعني عدم جريان التقيّة في الدم ، ولا يستفاد منها الإيجاب الكلّي في جميع أنواع التقيّة ، نعم يستفاد منها العموم بحسب الأفراد .

وثالثاً: أنّ استثناء النبيذ والمسح على الخفّين من التقيّة في بعض الروايات قرينة على كون المراد من المستثنى منه أعني قوله: «التقيّة في كلّ شيء» جميع الواجبات والمحرّمات الإلهيّة التي لا تعلّق لها بحقوق الناس .

الأمر الثاني: روايه صحيحة ربّما يستفاد منها العموميّة بالنسبة إلى جميع الحقوق ، وهي ما رواه زرارة عن الباقر(عليه السلام): التقيّة في كلّ ضرورة ، وصاحبها أعلم بها حين تنزل به ، والتقيّة في كلّ شيء يضطرّ إليه ابن آدم فقد أحلّه الله له(44) وهذه الرواية وإن كانت واردة في التقيّة الخوفيّة ، لكنّها ظاهرة في شمول جواز التقيّة بالنسبة إلى جميع الحقوق .

وفيه أوّلاً: أنّ مشروعيّة التقيّة كما ورد في بعض الروايات يكون من باب الإمتنان ، وجواز التعدّي إلى حقوق الناس ولو تقيّة لا يكون امتناناً ، فإنّه لا يناسب وقوع الضرر على الغير أو إيقاعه في الضرر .

وثانياً: أنّ أدلّة نفي الحرج حاكمة على عموميّة هذه الرواية ، فإنّ جواز إيقاع الغير في الضرر ولو على نحو التقيّة يكون حكماً حرجيّاً بالنسبة إلى الغير ، والأدلّة تنفيه .

فتحصّل من ذلك عدم عموميّة التقيّة الخوفية ، بل إنّما هي مشروعة فيما إذا لم يستلزم وقوع الغير في الضرر ، فلا يكون في غير الدم عاماً . وبهذا البيان يظهر الحكم في التقيّة الإكراهيّة ، فإنّ الإكراه إن قلنا بأنّه من مصاديق التقيّة لغة وعرفاً فلا فرق بينهما من هذه الجهة ، وإن قلنا باختلافهما موضوعاً فيكون ملحقاً بالتقيّة في الحكم لما ذكرنا سابقاً .

الصفحة الرئيسية   
السيرة  
المؤلفات  
الدروس  
لقاءات صحفية  
محفظة الصور  
الذکريات  
اتصلوا بنا  
المواقع التابعة