الفصل السابع هل العمل الموافق للتقيّة مجزئ عن المأمور به الواقعي أم لا؟بيان محلّ النزاع:
فاعلم أنّ تحرير محلّ النزاع يحتاج إلى اُمور ثلاثة:
الأمر الأوّل: أنّ النزاع واقع فيما إذا أتى المكلّف بالعمل ناقصاً ، يعني من
دون جزء أو شرط ، أو مع مانع ، أمّا لو ترك العمل رأساً من جهة
التقيّة ، كما إذا اقتضت ترك الصلاة رأساً فلا ينبغي الإشكال في عدم الإجزاء;
ولا خلاف بين الأعلام في إعتبار هذا الأمر من جهة الكبرى ، ولكن وقع الخلاف
في بعض المصاديق نُشير إلى واحد منها ، وهو أنّه لو اقتضت التقيّة الإفطار في
يوم حكم حاكمهم بأنّه يوم العيد ومع أنّ المكلّف يعلم بأنّه آخر يوم من شهر
رمضان ، فهل هذا من باب ترك الصيام رأساً ، كما ذهب إليه المشهور ومنهم
المحقّق الإمام الخميني(45)
فيخرج عن محلّ النزاع أم من باب إتيان العمل ناقصاً ، كما ذهب إليه المحقق
الخوئي(46)
فيدخل في محلّ النزاع؟ .
واستدلّ للأوّل بأنّ المطلوب في الصيام هو الإمساك في مجموع الزمان
المعتبر ، وبعبارة اُخرى: المطلوب هو الإمساك في المجموع من حيث
المجموع ، وترك الإمساك في لحظة مّا موجب للإخلال بالمطلوب . ومرجع هذا
إلى ترك المأمور به رأساً .
لا يقال: إذا اضطرّ الصائم إلى شرب كأس من الماء لحفظ نفسه عن
الموت فقد قالوا بجواز هذا الشرب وعدم جواز الشرب في بقيّة الأوقات ، ومعنى
هذا أنّ ذاك الشرب موجب لنقصان العمل لا ترك العمل رأساً .
لأنّا نقول: إنّ وجوب الإمساك في بقيّة الأوقات من باب وجوب
رعاية شهر الصيام ، وحرمة التظاهر بالأكل في شهر الصيام لا من باب كونه
صائماً .
واستشهد لهذا القول روايتين أظنّ أنّهما رواية واحدة في الواقع ، فتدبّر فيهما:
الاُولى: رواية داود بن الحصين ، عن رجل من أصحابه ،
عن أبي عبد الله(عليه السلام) أنّه قال وهو بالحيرة في
زمان أبي العبّاس: أنّي دخلت عليه وقد شكّ الناس في الصوم وهو والله من شهر
رمضان فسلّمت عليه فقال: يا أبا عبدالله: صمت اليوم؟ فقلت: لا
والمائدة بين يديه . فقال: فادنُ فكُل ، قال: فدنوت
فأكلت ، قال وقلت: الصوم معك والفطر معك ، فقال الرجل لأبي عبد
الله: تفطر يوماً من شهر رمضان؟ فقال: أي والله أفطر يوماً من شهر
رمضان أحبّ إليّ من أن يضرب عنقي(47) .
وهذه الرواية وإن لم تشتمل على التعبير بالقضاء ، إلاّ أنّ كلمة
«أفطر» التي صدرت منه ظاهرة في أنّ ما فعله(عليه السلام) كان مفطراً لصومه ، فلو كان الإفطار تقيّة غير مبطل للصوم لم يكن
وجه لتوصيف الفعل بالإفطار والتعبير بالإفطار ، يدلّ على ترك العمل
راساً .
الثانية: رواية رفاعة عن رجل عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: دخلت على أبي العبّاس في الحيرة فقال: يا أبا عبد
الله ما تقول في الصيام اليوم؟
فقال: ذلك إلى الإمام إن صمت صمنا وإن أفطرت أفطرنا ،
فقال: يا غلام عليّ بالمائدة ، فأكلت معه وأنا أعلم والله أنّه يوم من
شهر رمضان ، فكان إفطاري يوماً وقضاؤه أيسر عليّ من أن يُضرب عنقي ولا يعبد
الله(48) .
وهذه الرواية صريحة في وجوب القضاء ، ومرجعه إلى أنّ الإفطار موجب
لترك العمل رأساً(49) .
واستدلّ للثاني بأنّ التقيّة لا تقتضي أزيد من الإفطار في قطعة خاصّة
من النهار لا في مجموع النهار ، فلا يسقط عن المكلّف الأمر بالصوم في بقيّة
الزمان ، ولذا لا يجوز أن يتناول شيئاً من المفطرات في غير ساعة التقيّة; هذا
مضافاً إلى أنّ هذا نظير ما إذا أفطر بما لا يراه العامّة مفطراً ـ تقيّة ـ فكما
أنّه محكوم بالصحّة والإجزاء ولا يجب معه القضاء ، فكذلك الحال في ما نحن
يه .
وفيه: أمّا بالنظر إلى أصل الاستدلال فيكفي في فساده ما قلنا في
الإستدلال على القول الأوّل ، وأمّا بالنسبة إلى التنظير والقياس ففساده أوضح
من الاستدلال ولا يتوقّع هذا القياس من الأصل ، الذي يكون هو المقياس ،
لأنّ الإنكار بما لا يراه العامّة مفطراً خارج عن موضوع الإفطار بجهة أدلّة
التقيّة وبمعنى أنّه بعد ملاحظة هذه الأدلّة لا يكون إفطاراً أصلاً بخلاف ما نحن
فيه ، فتدبّر .
الأمر الثاني: أنّ محلّ النزاع في الإجزاء وعدمه إنّما هو فيما إذا كان الدليل الذي
ننتزع منه الجزئيّة أو الشرطيّة أو المانعيّة عامّاً أو مطلقاً شاملاً لصورة
الإضطرار إلى تركها ، وأمّا إذا لم يكن كذلك كما إذا ثبتت الاُمور المذكورة
بالسيرة أو مثلها ، أو بدليل لفظي غير شامل فهو خارج عن النزاع . والوجه
في ذلك أنّه في الفرض الأوّل بعد ثبوت الجزئيّة من طريق الإطلاق أو العموم يقع
البحث في أنّ أدلّة التقيّة هل تصلح لرفع الجزئيّة أو الشرطيّة أم لا تصلح .
وأمّا في الفرض الثاني فيتمسّك لنفي الجزئيّة أو الشرطيّة بأصالة البراءة عنها ولا يحتاج إلى أدلّة التقيّة .
الأمر الثالث: قد وقع الخلاف في أنّ المانعيّة النفسيّة هل هي داخلة في محلّ النزاع
ومورد للنفي والإثبات ، أم لا ، بل هي خارجة عنه ، بمعنى عدم وقوع
الخلاف في الاجزاء فيها ، مثلاً لو أتى بالصلاة في الدار المغصوبة تقيّة فكما
أنه ترتفع الحرمة بالاضطرار والتقيّة ، فكذلك ترتفع المانعيّة وتقع الصلاة
صحيحة .
ذهب المحقّق النائيني إلى المانيّة النفسيّة التي تنتزع من الحرمة
النفسيّة داخلة في محلّ النزاع كالمانعيّة الغيريّة التي تنتزع من الحرمة
الغيريّة ، وخالفه في ذلك السيّد الخوئي .
واستدلّ على الأوّل بأنّ الإضطرار والتقيّة وغيرهما من الروافع
والأعذار إنّما يقتضي إرتفاع الحرمة فحسب ، وأمّا الملاك المقتضي للحرمة فهو
بعد بحاله ولا موجب لإرتفاعه بالاضطرار أو التقيّة ، ومع بقاء الملاك المقتضي
للحرمة تبقى المانعيّة أيضاً بحالها ، لأنّ للملاك والمفسدة الملزمة
معلولين: أحدهما: الحرمة النفسيّة ، وثانيهما:
المانعيّة ، وإذا سقط أحدهما وهو الحرمة بالتقيّة أو بالاضطرار فيبقى معلوله
الثاني بحاله .
وفيه أوّلاً: أنّ الملاك من الاُمور وتجري فيها قاعدة «الواحد لا
يصدر منه إلاّ الواحد» فلا يعقل أن يكون للملاك معلولان .
وثانياً: سلّمنا عدم جريان هذه القاعدة الفلسفيّة كنظائرها في
هذه العلوم الأعتباريّة ، لكن المانعيّة ليست في عرض الحرمة ، بل هي
منتزعة عن الحرمة فكيف يعقل المنتزع بعد رفع منشأ الإنتزاع؟ والقول بأنّ المانعيّة
تستفاد من نفس الملاك بعيد عن الصواب .
وهنا جواب ثالث ذكره السيّد المحقّق الخوئي(50)
وهو أنّه بعد تسليم بقاء الملاك لا نسلّم تأثيره في المانعيّة ، لوجود ترخيص
الشارع في الفعل ، مثلاً إذا كان التصرّف في مال الغير مباحاً بترخيص الشارع
نفسه في صورة الاضطرار فكما أنّه في غير الصلاة يكون التصرّف جائزاً فكذلك في
الصلاة ، لأنّهما من هذه الجهة سيّان ، فالملاك غير مؤثّر في المانعيّة
في الصلاة وغيرها ، بخلاف المانعيّة الغيريّة ، فمثلاً إذا اضطرّ إلى
لبس الحرير للبرودة فمع ذلك لا يجوز لبسه في الصلاة ، بل يجب عليه إيقاع
الصلاة في غير الحرير ، لعدم سقوط المانعيّة الغيريّة عن لبس الحرير بسبب
سقوط حرمة النفسيّة ، لأنّ المانعيّة منتزعة عن النهي عن الصلاة في
الحرير ، وهذا النهي باق حتّى بعد سقوط الحرمة النفسيّة .
وهذا الجواب مخدوش ، لأنّ بقاء الملاك لو كان مؤثّراً في
المانعيّة فلا فرق بين النفسي والغيري ، ولو كان غير مؤثّر فكذلك لا فرق
بينهما ، وبعبارة اُخرى لم يذكر وجه الفرق بينهما من هذه الجهة; فنحن
نسأله: هل الملاك في النهي الغيري بعد رفع الخطاب مؤثّر في المانعيّة أم لا؟
وبما أنّكم ذهبتم إلى أنّ ترخيص الشارع مانع عن تأثير الملاك في
المانعيّة ، فاللازم خروج المانعيّة الغيريّة عن محلّ النزاع أيضاً .
والتحقيق دخول المانعيّة النفسيّة في محلّ النزاع ، لأنّ الكلام
في أنّ ترخيص الشارع هل هو موجب لرفع المانعيّة كما أنّه موجب لرفع التكليف
والعقاب ، أم لا ، أوّل الكلام والنزاع ، وهذا أساس البحث والنزاع
كما سيأتي .
وبعبارة اُخرى: مانعيّه ترخيص الشارع عن تأثير الملاك في
المانعيّة ليست أمراً قطعيّاً ، بل هو أوّل الكلام . فيجب البحث في أنّه
هل الملاك في المانعيّة عبارة عن نفس الملاك في الحرمة حتّى ترتفع المانعيّة
بارتفاع الحرمة ، أم لا ، بل ملاكها غير ملاك الحرمة ، ومع ارتفاع
ملاك الحرمة يبقى ملاك المانعيّة ، ولا فرق في هذه الجهة بين الحرمة النفسيّة
والغيريّة .
وبعد هذه الاُمور الثلاثة نقول:
ذهب المحقّق الثاني(51) إلى
التفصيل بين ما إذا ورد فيه نصّ بخصوصه ، فيكون العمل صحيحاً مجزياً إذا فعل
على الوجه المأذون فيه ، التفاتاً إلى أنّ الشارع أقام ذلك الفعل مقام
المأمور به حين التقيّة ، وادّعى عدم وجود الخلاف بين الأصحاب في هذه
الصورة ، وبين ما إذا لم يرد فيه نصّ بخصوصه كالصلاة إلى غير القبلة ،
والوضوء بالنبيذ ، والإخلال بالموالاة بحيث يجفّ البلل ، كما يراه بعض
العامّة ، فلا يكون العمل مجزياً .
وخالفه الشيخ الأعظم الأنصاري(قدس سره)(52) وقال ما خلاصته:
إنّ الإجزاء يتوقّف على كون المتّقى به مأذوناً من قبل الشارع ،
وهذا الإذن على نحوين:
النحو الأوّل: صدور الإذن الخاصّ في المورد الخاصّ ، كالإذن في خصوص المسح على
الخفّين ، كما في صحيحة أبي الورد(53)
أو الإذن العامّ(54) كالإذن
الذي يستفاد من نظير قولهم(عليهم السلام) التقيّة
في كلّ شيء ، ففي هذا النوع تكون المسألة من صغريات مسألة الإجزاء ،
لأنّه مع وجود الإذن خاصّاً أو عامّاً يكون الفعل مأموراً به على نحو
الإضطرار ، ويقع البحث في أنّ الفعل الإضطراري هل يكون مجزياً عن الواقعي أم
لا؟
النحو الثاني: لو فرضنا عدم صدور الإذن الخاصّ وسلّمنا عدم إمكان استفادة الإذن
العامّ من الأدلّة العامّة ، فبين أيدينا نوعان من الدليل:
النوع الأوّل: الأمر بالعبادة كالأمر بالصلاة مثلاً .
النوع الثاني: الأوامر العامّة التي وردت في التقيّة نظير
قوله: التقيّة ديني ودين آبائي(55)
الذي هو في مقام الأمر بالتقيّة ، فحينئذ يقع البحث في أنّه هل يستفاد من
إنضمام النوع الثاني إلى النوع الأوّل أنّ الفعل المتّقى به يكون مأموراً به
اضطراريّاً حتّى تكون المسألة من صغريات مسألة الإجزاء أم لا ، بل ادلّة
التقيّة العامّة يستفاد منها الحكم التكليفي ، وحينئذ لو كان دليل النوع
الأوّل عامّاً شاملاً لصورة التقيّة وعدمها فيكون الأمر ساقطاً ، لعدم وجود
القدرة في فرض التقيّة ، ولو لم يكن عامّاً بل مختصّاً بصورة التمكّن ،
ففي صورة التقيّة وعدم المتكّن يكون من مصاديق اُولي الأعذار ، ويجب الفرق
بين العذر المستوعب وغيره . إنتهى خلاصة كلام الشيخ .
أقول: الفرق بين النحو الأوّل وبين النحو الثاني من الإذن أنّه
يكون النزاع في الثاني في تحقّق الصغرى لبحث الإجزاء ، بينما يكون النزاع في
الأوّل كبروياً والصغرى مفروغاً عنها ، فتدبّر .
فتبيّن أنّ المحقّق الثاني قد خصّ مسألة الإجزاء بما إذا ورد نصّ
بالخصوص(56)
بينما أنّ الشيخ الأعظم الأنصاري ذهب إلى أنّ الإجزاء متوقّف على الإذن ، ولا
فرق بين كون الإذن خاصّاً أو عامّاً ، وكذلك يكفي في الإذن إنضمام الأدلّة
بعضها مع بعض ، وهذا طريق ثالث للإذن .
والظاهر عدم إمكان إستفادة الإذن من الطريق الثالث ، لأنّه فرع
كونه أدلّة التقيّة ناظرة إلى سائر الأدلّة في هذه الجهة مع عدم كونها ناظرة
عرفاً ، ولا أقلّ كانت النظارة مشكوكة .
والصحيح وجود الإذن العامّ في أدلّة التقيّة ، ولا نحتاج في صحّة
كلّ عبادة على وجه التقيّة إلى النصّ الخاصّ وقبل بيان الإذن العامّ ،
نقول: إنّ دائرة هذا الإذن مع كونه عامّاً مع ذلك يكون محدوداً بما لا يؤدّي
إلى الفساد في الدين ومشروطاً بأنّ ترك التقيّة مستلزم لوهن المذهب; فالصلاة إلى
غير القبلة يميناً أو شمالاً أو دبرها لا تكون صحيحة قطعاً ، لمخالفتها لكلام
الله تبارك وتعالى وهو مستلزم لفساد الدين . وأيضاً ترك هذه الصلاة لا يكون
موجباً لوهن المذهب .
والذوق الفقهي يشهد بوجود الفرق بين الصلاة بدون السورة أو مع التكتّف
وبين الصلاة إلى غير جهة القبلة ، وبهذا البيان يندفع بعض النقوض التي أوردها
المحقّق الثاني في رسالته(57)
كما أنّه يندفع بعضها بخروجه عن محلّ الكلام لأجل أنّها تقيّة في الموضوعات لا في
الأحكام .
والروايات التي يستفاده منها الإذن العامّ وهي الأساس لمسألة
الإجزاء ، فكثيرة جدّاً .
منها: الرفع المشهور «رُفِع عن اُمّتي تسعة التي منها
قوله: وما اضطرّوا إليه»; بيان الاستدلال أنّه لو كان المكلّف مضطرّاً إلى
ترك جزء أو شرط من العبادة أو إتيان مانع فمقتضى الحديث إرتفاع الجزئيّة والشرطيّة
والمانعيّة ، ومرجع هذا إلى عدم كون العمل معتبراً فيه الجزء أو الشرط ،
فهذا إذن في إتيان العمل فاقداً للجزء أو الشرط; وبالجملة إنّ الحديث يتكفّل
شيئين: إرتفاع الجزئيّة أو الشرطيّة ، وإثبات كون المأمؤر به هو الفعل
الفاقد للجزء أو الشرط .
وفيه: بعد كون الإستدلال متوقّفاً على تقدير جميع الآثار كما ذهب
إليه السيّد المحقّق الإمام الخميني(قدس سره)
حتّى يقال: إنّ ما يضطرّ إليه المكلّف مرفوع بلحاظ جميع الآثار يرد
عليه:
أوّلاً: أنّ الحديث صريح في إرتفاع التكليف ولا يكون بصدد إثبات
تكليف ، فلا يستفاد منه الإذن أصلاً .
وثانياً: ما أورده السيّد المحقّق الخوئي(58)
من أنّ الجزئيّة والشرطيّة والمانعيّة إنّما تنتزع من الأمر بالعمل المركّب وهي
بنفسها ممّا لا تناله يد الوضع والرفع ، وإنّما ترتفع برفع منشأ
الإنتزاع ، وبناءً عليه إذا اضطرّ المكلّف إلى ترك السورة في الصلاة مثلاً;
فمقتضى الحديث إرتفاع الأمر عن الصلاة مع السورة ، وأمّا الأمر بالصلاة
الفاقدة للسورة فلا يمكن استفادته من الحديث ، بل يحتاج إثبات الأمر بالعمل
الفاقد إلى دليل غير هذا الحديث .
وثالثاً: أنّ هذا الدليل أخصّ من المدّعى ، لأنّ الحديث
مختصّ بالوجوديات كالتكتّف وقول آمين ، دون العدميّات ، فلا يشمل مثل
ترك القراءة ، فإنّ شأن الرفع تنزيل الموجود منزلة المعدوم لا العكس ،
فإنّه يكون وضعاً .
وقد أجاب عن هذا الإشكال السيّد المحقّق الإمام الخميني(قدس سره)وقال: إنّ الرفع متوجّه إلى العناوين المأخؤذة فيه ـ أي في حديث
الرفع ـ وهذه العناوين لها نحو ثبوت قابل للرفع ، وقد ينطبق على الأمر
العدمي ، لكن الرفع غير متوجّه إلى العدم ، بل إلى عنوان ما اضطرّوا
إليه وهو قابل للرفع عرفاً(59) .
هذا كلّه ، لكنّ الإنصاف بعد تسليم كون المقدّر هو جميع الآثار;
أنّ الاستدلال بالحديث تامٌ ، لوجود الملازمة العرفيّة بين رفع الجزئيّة
مثلاً وبين كون المأمور به هو الفعل الفاقد للجزء . وكذا الشرط; اللّهمّ إلاّ
أن يقال: إنّ هذا ليس تمسّكاً بالحديث فقط ، بل تمسّك بالحديث
والملازمة معاً ، فتدبّر .
ومنها: ما استدلّ به الشيخ الأنصاري(قدس سره) واستفاد منه الإذن ، وهي ما رواه إسماعيل الجعفي ومعمّر بن يحيى
بن السالم ومحمّد بن مسلم وزرارة ، وهي رواية صحيحة معروفة بصحيحة
الفضلاء: قالوا: سمعنا أبا جعفر(عليه السلام) يقول: إنّ التقيّة في كلّ شيء يضطرّ إليه ابن آدم فقد أحلّه
الله له(60) .
تقريب الإستدلال يتوقّف على بيان اُمور:
الأوّل: أنّ لفظة «كلّ» من أداة العموم ، والرواية دلّت على
أنّ التقيّة جارية في كلّ شيء يضطرّ إليه الإنسان ، وهذا عامّ شامل للعبادات
والمعاملات والأحكام والموضوعات .
والثاني: أنّه يكفي في صدق الإضطرار كون المكلّف مضطرّاً إلى ترك
الجزء أو الشرط أو إتيان المانع وإن لم يكن مضطرّاً إلى أصل الصلاة مثلاً في
الوقت .
والثالث: أنّ الرواية دلّت على أنّ ذاك الشيء المحرّم يكون
محلّلاً في حقّ المتّقي .
والرابع: أنّ الحلّيّة أعمّ من التكليفيّة والوضعيّة كما في قوله
تعالى: )أحلّ الله البيع( الذي هو ظاهر في خصوص الوضع ، أو الأعمّ من الوضع
والتكليف ، فإنّ الحلال لا يكون في العرف واللغة والقرآن والسُنّة مختصّاً
بالتكليف; فالمحرّم عبارة عن الممنوع ، والمحلّل عبارة عن المجاز .
قال الشيخ الأنصاري(61):
إنّ المراد بالإحلال رفع المنع الثابت في كلّ ممنوع بسبب حاله من التحريم النفسي
كشرب الخمر ، والتحريم الغيري كالتكفير في الصلاة ، ومقصوده(قدس سره) أنّ الحديث لم يكن مختصّاً بما يكون المضطرّ إليه مستقلاًّ في المنع
الغيري ، وترك الجزء أو الشرط حرام غيري ، ففي صورة التقيّة يكون جائزاً
وحلالاً .
وبعد هذه الاُمور الأربعة نستفيد منها أنّ التكتّف في الصلاة ،
وترك السورة ، ولبس الحرير ، والإفطار عند سقوط الشمس ، والوقوف
بعرفات والمشعر قبل وقته حلال في صورة الإضطرار; وواضح أنّ الحلّيّة بمعنى الإذن
والترخيص في الإتيان .
قال السيّد المحقّق الإمام الخميني: ولا ريب في استفادة الوضع
منها(62)
وقد يعبّر عن الوضع بالتكليف الغيري قبل التكليف النفسي ، فإنّ التكفير أو
ترك البسملة من المحرّمات الغيريّة ، لاشتراط الصلاة بعدمهما وإن كان كلّ
واحد منهما حلالاً مع قطع النظر عن الصلاة .
هذا ، ولكن خالف السيّد المحقّق الخوئي مع الشيخ الأنصاري وذهب
الى عدم صحّة التمسّك بهذا الحديث وقال ـ مع توضيح منّا ـ : إنّ الظاهر من
الصحيحة أنّ كلّ عمل كان محرّماً بأيّ عنوان من العناوين المفروضة تزول عنه حرمته
بعنوان التقيّة ، فيصير العمل المعنون بذلك العنوان متّصفاً بالحلّيّة
لأجلها ، فمثلاً كان التكتّف حراماً بعنوان كونه مبطلاً للصلاة بناءً على كون
إبطال الصلاة محرّماً في نفسه ، وإلاّ فمع قطع النظر عن هذا العنوان لا يكون
حراماً ، وفي فرض التقيّة تنقلب الحرمة إلى الحلّيّة من دون تغيّر في الموضوع ،
فالموضوع ـ أي التكتّف المبطل ـ يكون حلالاً في فرض التقيّة ، وبما أنّ الحكم
لا معنى لأن يتصرّف في الموضوع أو في قيوده فلا يتغيّر الموضوع في فرض
التقيّة ، وبعبارة اُخرى كان الإبطال في فرض التقيّة حلالاً(63) .
وفيه: أنّ الظاهر أنّ الإبطال علّة لتعلّق الحرمة بالصلاة مع التكتّف ،
ومع زوال الحرمة نستكشف زوال علّتها وهي الإبطال ، لأنّ العلّة الشرعيّة
تنعدم بزوال معلوله الشرعي ، وبعبارة اُخرى: في العلل التكوينيّة يمكن
زوال المعلول الشرعي من دون العلّة التكوينيّة فإنّ الخمر حرام لأجل
الإسكار ، وفي فرض الإضطرار يصير حلالاً من دون زوال علّته; أمّا في العلّة
والمعلول الشرعيّين يكون إنتفاء احدهما كاشفاً عن إنتفاء الآخر ، وعلى هذا لا
يمكن زوال الحرمة من دون زوال الإبطال ، فإنّ العرف يفهم أنّ عدم الحرمة
كاشفٌ عن عدم وجود الإبطال ، فتدبّر .
ومنها: رواية أبي الصبّاح إبراهيم بن نعيم المرويّة في كتاب
الإيمان قال: والله لقد قال لي جعفر بن محمّد(عليهما السلام): إنّ الله علّم نبيّه التنزيل والتأويل ، فعلّمه رسول الله(صلى الله عليه وآله
وسلم) عليّاً(عليه السلام) قال: وعلّمنا والله ، ثمّ قال: ما صنعتم من شيء أو
حلفتم عليه من يمين في تقيّة فأنتم منه في سعة(64) .
ذهب الشيخ الأنصاري والسيّد الخميني إلى أنّ الرواية تدلّ على أنّ كلّ
ما يفعله المكلّف تقيّة سواء كان زيادة في المأمور به أو نقيصة فيه فهو في
سعة ، ومعنى السعة والوسعة أنّه لا يترتّب عليه الإعادة والقضاء . فهذه
الروايه كما قال الشيخ الأنصاري نظير قوله(عليه السلام): «الناس في سعة مالا يعلمون» .
فالرواية وإن كانت مردّدة بين الصحيحة وغيرها من جهة وجود سيف بن عميرة
واختلفوا في أنّه واقفي أم لا ، لكن دلالتها على المدّعى تامّة .
ولكن خالفهما السيّد الخوئي(65)
وقال: إنّ الرواية غير دالّة على الإجزاء والقياس والتنظير باطل أيضاً; أمّا
عدم دلالتها فلأنّ كلمة «السعة» في مقابل «الضيق» فكلّ ما يفعل الإنسان في غير
التقيّة لو كان فيه ضيق ليرفعه التقيّة; مثلاً أنّ في شرب الخمر في غير حال
التقيّة ضيقاً من جهة لزوم إجراء الحدّ عليه والحكم بفسقه ، أمّا مع التقيّة
فيرتفع الضيق ، وهذا غير جار في ما نحن فيه ، لأنّه لا يترتّب على نفس
ترك الجزء أو الشرط أو إتيان المانع ضيق ، لأنّ بطلان العمل ليس من الآثار
المجعولة للترك ، بل البطلان كالصحّة من الآثار الواقعيّة لا تناله يد
الجعل ، فليس البطلان حكماً شرعيّاً بل العقل يحكم بأنّ مخالفة العمل للمأمور
به مساوق للبطلان ، وأمّا مسألة الإعادة فلا تترتّب على نفس ترك
الجزء ، بل الإعادة من آثار عدم إتيان المأمور به ، وبعبارة
اُخرى: لو كان موضوع الإعادة إتيان العمل فاسداً وناقصاً لصحّ أنّ يقال:
إنّها من آثار ترك الجزء أو الشرط ، مع أنّ موضوعها عدم إتيان المأمور
به .
أمّا عدم صحّة القياس; فلأنّ المشكوك فيه في ذلك الحديث إنّما هو نفس
الجزئيّة وعديليها ، ومن البديهي أنّ في جزئيّة المشكوك فيه أو شرطيّته أو
مانعيّته ضيقاً واضحاً على المكلّف ، لأنّه تقييد لإطلاق المأمور به وموجب للكلفة
والضيق ، فيكون في رفعها عند الشكّ توسعة له ، وأين هذا وما نحن فيه
لعدم ترتّب ضيق من ناحية ترك الجزء أو الشرط .
ولا يخفى ما فيه .
أوّلاً: أنّ إيراده مبنيّ على أن يستفاد من الرواية ترتّب الضيق
على نفس العمل من دون واسطة ، مع أنّه محلّ الإنكار ، فإنّ الرواية دلّت
على أنّ الضيق الذي ترتّب على العمل ولو مع الواسطة ، ترتفع عند
التقيّة ، فإنّ الإعادة وإن لم تكن من آثار نفس ترك الجزء أو الشرط ،
لكن ترك الجزء سبب لعدم إتيان المأمور به والإعادة من آثاره ، مع أنّ
قوله: «فأنتم في سعة» لا نظر فيه إلى مادّة كلماته ، بل هو كناية عن
عدم ترتّب شيء على التقيّة .
وثانياً: الصحيح أنّ موضوع الإعادة لا يكون عدم إتيان المأمور
به ، فإنّه أمر عدمي لا يصلح لأن يكون موضوعاً لحكم شرعي وجودي; بل التحقيق
أنّ موضوع الإعادة هو إتيان العمل فاسداً وناقصاً ، فإنّ كلمة الإعادة لا
يصدق فيما اذا لم يفعل العمل أصلاً ، بل يصدّق فيما إذا فعله ناقصاً ويجب أن
يعيد ثانياً ، وبهذا الجواب يظهر صحّة التنظير ، فتدبّر .
ومنها: رواية أبي عمر الأعجمي قال: قال لي أبو عبد
الله: يا أبا عمر إنّ تسعة أعشار الدين في التقيّة ، ولا دين لمن لا
تقيّة له ، والتقيّة في كلّ شيء إلاّ في النبيذ والمسح على الخفّين(66) .
تقريب الإستدلال بها يتّضح بعد اُمور:
الأوّل: أنّ المراد من التقيّة هو العمل الموافق لهم المخالف
للحقّ بمعنى ما يتّقى به ، لا الإتّقاء كما هو ظاهر اللفظ(67) .
والثاني: معنى كون التقيّة ديناً أو من الدين أنّه حكم واقعي
ثانوني ، ونتيجة هذين الأمرين أنّ الفعل المتّقى به من الدين ، وواضح
أنّ الفعل الذي يكون من الدين لابدّ وأن يكون صحيحاً . فإنّ الباطل لا يكون
من الدين .
والثالث: أنّ لفظة «كلّ» من أدوات العموم ، وبقرينة استثناء
مسح الخفّين الذي هو ممنوع بالمنع الغيري تكون الرواية دالّة على جريان التقيّة في
كلّ ممنوع ، سواء كان استقلاليّاً أو غيريّاً .
وبعد هذه الاُمور الثلاثة نستفيد أنّ ترك الجزء أو الشرط أو إتيان
المانع في فرض التقيّة يكون من الدين ، وكلّ ما كان من الدين فهو صحيح ،
فلا يحتاج العمل إلى الإعادة أو القضاء ، وهذا معنى الإجزاء . هذا
إستدلال بمجموع الرواية .
ويمكن الاستدلال بنفس التعبير الوارد في صدر الرواية فما معنى تسعة
أعشار الدين في التقيّة؟ وهل يمكن الالتزام بأنّ هذا المقدار ملائم لعدم الإجزاء؟
كلاّ .
وعلى أيّ حال فهذه الرواية ونظائرها من حيث التعبير كقوله(عليه السلام): «التقيّة ديني ودين آبائي» هي العمدة في روايات الإجزاء كما
صرّح به المحقّق البجنوردي; وهناك تفسير للمحقّق النائيني فقال: إنّ
قوله: التقيّة ديني بمعنى أنّ ما يرونهم ديناً فهو ديني في حال التقيّة(68)
وهذا تفسير لطيف جدّاً .
وقال المحقّق الخوئي: إنّ الرواية ـ مضافاً إلى كونها ضعيفة
السند ، لأجل أنّ أبا عمر الأعجمي ممّا لم يتعرّضوا لحاله ، فهو مجهول
الحال من جميع الجهات حتّى من حيث التشيّع وعدمه فضلاً عن الوثاقة وعدمها ـ
أجنبيّة عمّا نحن بصدّده وقال(69):
إنّ ما نحن بصدده هو البحث عن إرتفاع الأحكام المتعلّقة بالفعل المتّقى به كارتفاع
الجزئيّة والمانعيّة في فرض التقيّة ، مع أنّ الرواية ناظرة الى أصل مشروعيّة
التقيّة ، وقرينة ذلك استثناء شرب النبيذ ، فبناءً على كون الرواية بصدد
بيان الأحكام فما هو الوجه في عدم إرتفاع الحرمة في شرب النبيذ تقيّةً ، وهل
هو أعظم من حرمة ترك الصلاة التي ترتفع عند الاضطرار والتقيّة؟
أمّا بناءً على كون الرواية بصدد بيان أصل المشروعيّة فالاستثناء
صحيح ، لأنّ عدم مشروعيّة التقيّة في شرب النبيذ والمسح على الخفّين من جهة
عدم وجود الموضوع فيهما . والظاهر أنّ الشيخ الأنصاري لم يلفت نظره الشريف
إلى الاستثناء الأوّل ، وإنّما توجّه إلى الثاني فقط ، ولو توجّه إلى
الأوّل لقال ما قلناه في معنى الرواية . إنتهى خلاصة كلامه(قدس سره) .
وفيه أوّلاً: أنّ الشيخ قد صرّح بكون الرواية في مقام إثبات
المشروعيّة وقال: دلّت الرواية على ثبوت التقيّة ومشروعيّتها في كلّ شيء
ممنوع لولا التقيّة(70) .
لكن نظره الشريف إلى وجود الملازمة الواضحة بين المشروعيّة وإرتفاع الأحكام ،
فإنّ مشروعيّة التقيّة في الحرام النفسي مساوق لحلّيته ، وفي الحرام الغيري
مساوق لرفع الجزئيّة التي هي سبب للحرمة; مع أنّ أصل المشروعية أمر مجمل بعيد عن
هذه التعبيرات .
وثانياً: منشأ هذا التفسير يرجع إلى الإشكال الذي ذكره السيّد
الخوئي ، مع أنّ الشيخ قد التفت الى الإشكال وقال: إنّ ظاهر الاستثناء
فيهما مخالف لما اجمع عليه من ثبوت التقيّة فيهما ، وقال في جوابه: إنّ
هذه المخالفة لا يقدح فيما نحن بصدده .
فالإنصاف أنّه مع قطع النظر عن السند تكون الرواية واضحة الدلالة
للمطلوب والله العالم .
ومنها: موثّقة مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله(عليه السلام) في حديث: أنّ المؤمن إذا أظهر الإيمان ثمّ ظهر منه ما يدلّ على
نقضه خرج ممّا وصف وأظهر وكان له ناقضاً إلاّم أن يدّعي أنّه إنّما عمل ذلك
تقيّةً ، ومع ذلك ينظر فيه فإن كان ليس ممّا يمكن أن تكون التقيّة في مثله لم
يقبل منه ذلك ، لأنّ للتقيّة مواضع من أزالها عن مواضعها لم تستقم له ،
وتفسير ما يتّقى مثل أن يكون قوم سوء ظاهر حكمهم وفعلهم على غير حكم الحقّ
وفعله ، فكلّ شيء يعمل المؤمن بينهم لمكان التقيّة ممّا لا يؤدّي إلى الفساد
في الدين فإنّه جائز(71) .
بيان الاستدلال: أنّ الجواز بمعنى المضيّ ، وهو أعمّ من
التكليفي والوضعي ، فالرواية تعطي قاعدة كليّة ، وهي أنّ كلّ ما يفعله
المؤمن من جهة التقيّة سواء كان تركاً للجزء أو الشرط أو إتياناً للمانع فإنّه
صحيح إذا لم ينجرّ إلى فساد في الدين وهذا التعبير نظير قوله(عليه السلام): الصلح جائز بين المسلمين .
فهذه الرواية دالّة على الإجزاء كما فهمه الشيخ الأنصاري والسيّد
الإمام الخميني ، ولكن أورد السيّد الخوئي على الاستدلال بها بثلاث إيرادات(72) .
الإيراد الأوّل: أنّها مخدوشة من حيث السند ، فإنّ مسعدة بن صدقة ممّن لم يوثّق
في كتب الرجال .
الإيراد الثاني: أنّ الرواية لا تدلّ على المدّعى ، لأنّه قد أسند الجواز فيها
إلى العمل ، وهذا الإسناد ظاهر في الجواز النفسي الإستقلالي ولا يدلّ على
الجواز الغيري ، والمراد من الجواز النفسي ، إباحة الشيء مستقلاًّ من
دون نظر إلى أنّه جزء أو شرط للغير ، والمراد من الجواز الغيري كون دخالته في
شيء وعدم دخالته على حدٍّ سواء ، وعلى هذا يستفاد من الرواية ، جواز ما
هو الحرام مستقلاًّ ولا يستفاد منها الحلّيّة الغيريّة .
الإيراد الثالث: أنّ صدر الرواية شاهد على كونها بصدد بيان أصل مشروعيّة التقيّة لا
جواز الفعل المتّقى به ، فإنّ صدره شاهد على كونها في مقام بيان مواضع
التقيّة وجريانها في الموارد المعيّنة ، وعلى هذا لا تدلّ على سقوط الجزء عن
الجزئيّة أو الشرط عن الشرطيّة في موارد التقيّة .
والإيرادات كلّها مخدوشة:
أمّا الأوّل: أنّ لمسعدة توثيقاً عامّاً ، فإنّه ممّن ورد
في أسانيد كتاب كامل الزيارات وتفسير عليّ بن إبراهيم ، والسيّد الخوئي كان
ممّن أعتبر هذا المقدار من التوثيق بشرط عدم وجود تضعيف معتبر ، وقد
قيل: إنّه قد عدل عن هذا المبنى .
وأمّا الثاني: فأوّلاً: أنّه لا نسلّم ظهور الجواز في خصوص
الجواز النفسي ، بل جواز كلّ شيء بحسبه ، وهو أعمّ من التكليف
والوضع ، ولعلّه(قدس سره) قد التفت إلى
هذا الإشكال وصرّح به في الإيراد الثالث .
وثانياً: تقسيم الجواز إلى النفسي والغيري غير فنّي ، فإنّ
الجواز في التكليفيّات بمعنى الإباحة ، وفي الوضعيّات يكون بمعنى
الصحّة ، أمّا الجواز بمعنى استواء دخالته وعدم دخالته في شيء فليس
بصحيح .
وأمّا الثالث: فإنّ صدر الرواية وإن كان شاهداً على كونها بصدد
بيان مواضع التقيّة ، لكن ذيلها يعطي قاعدة كليّة مع ملاكها ، والقاعدة
هي أنّ كلّ ما يفعل المؤمن من جهة التقيّة فإنّه جائز ، والملاك هو عدم أدائه
الى الفساد في الدين ، ومن هذه القاعدة نستفيد صحّة العمل في مورد ترك الجزء
أو الشرط أو إتيان المانع .
ومنها: ما ذكره السيّد المرتضى في رسالة المحكم والمتشابه نقلاً
عن تفسير النعماني بإسناده عن عليّ(عليه السلام) قال: وأمّا الرخصة التي صاحبها فيها بالخيار (يعمل بظاهرها عند
التقيّة ولا يعمل بباطنها) فإنّ الله نهى المؤمن أن يتّخذ الكافر وليّاً ثمّ منّ
عليه بإطلاق الرخصة له عند التقيّة في الظاهر أن يصوم بصيامه وأن يفطر بإفطاره
ويصلّي بصلاته ويعمل بعمله ويظهر له استعمال ذلك موسّعاً عليه فيه ، وعليه أن
يدين الله تعالى في الباطن بخلاف ما يظهر لمن يخافه من المخالفين المستولين على
الاُمّة قال الله تعالى: (لاَ
يَتَّخِذْ المُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ المُؤْمِنِينَ وَمن
يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنْ اللهِ فِي شَيْء إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ
تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمْ اللهُ نَفْسَهُ) فهذه رحمة
تفضّل الله بها على المؤمنين ، رحمة لهم ليستعملوها عند التقيّة في
الظاهر ، وقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): إنّ الله يحبّ أن يؤخذ برخصه كما يحبّ أن يؤخذ بعزائمه(73) .
والاستدلال بها من وجوه:
الوجه الأوّل: أنّ الظاهر من العمل بعمله والصلاة بصلاته هو صحّة
العمل وإجزائه عن الوظيفة الأوّليّة .
الوجه الثاني: أنّ التعبير بالحرمة والمنّة صريح في
الإجزاء ، فإنّ الإعادة أو القضاء مناف للتفضّل والرحمة .
الوجه الثالث: أنّ قوله(عليه السلام): «موسّعاً عليه» يدلّ على الإجزاء أيضاً ، فالإعادة أو
القضاء مخالف للتوسعة .
الوجه الرابع: يستفاد من الرواية أنّ التقيّة من مصاديق الترخيص
ويحبّ الله تبارك وتعالى أن يؤخذ برخصه ، فينتج أنّ التقيّة محبوبة لله تبارك
وتعالى ، ومن المعلوم أنّ العمل غير الصحيح لا يكون محبوباً ، والعجب
كلّ العجب من القائلين بعدم الإجزاء مع وجود هذه التعبيرات العالية في
الروايات ، فهل يكون الشيء محبوباً ورحمة ومنّةً ويستعمل في الدين ومع ذلك
يكون باطلاً وغير صحيح؟ كلاّ ثمّ كلاّ .
إن قلت: إنّ قوله: «أن يدين الله تعالى في الباطن بخلاف ما
يظهر لمن يخافه» ظاهر في إعادة ما يأتي به تقيّةً .
قلت: إنّ الظاهر من الكلام أنّ لمهيّة العبادات مصداقين
مختلفين: التقيّة وعدمها(74)
لكنّ التقيّة مصداق ظاهري وعدمها مصداق باطني .
ومنها: رواية سفيان بن سعيد عن أبي عبد الله(عليه السلام) وفيها: يا سفيان من استعمل التقيّة في دين الله فقد تسنّم
الذروة العليا من القرآن(75) .
وجه الاستدلال أنّ الظاهر من استعمال التقيّة في دين الله ، أنّ
ما يرتبط بالشارع ويعدّ من الدين اُصولاً وفروعاً يأتي فيه التقيّة ،
والتعبير بأنّه تسنّم الذرورة العليا من القرآن ظاهر بل نصّ في صحّة العمل ،
على أنّ ما يستعمل في دين الله يكون صحيحاً مصداقاً للمأمور به ، وقد جاء
نظير هذا التعبير في بعض آخر فراجع(76) .
ومنها: ما عن سعد بن عبد الله في بصائر الدرجات بسنده الصحيح عن
معلّى بن خنيس قال: قال لي أبو عبد الله(عليه السلام): يا معلّى ، اكتم أمرنا ولا تذعه ، فإنّه من كتم
أمرنا ولا يذيعه أعزّه الله في الدنيا وجعله نوراً بين عينيه يقوده إلى الجنّة ،
يا معلّى إنّ التقيّة ديني ودين آبائي ولا دين لمن لا تقيّة له ، يا معلّى
إنّ الله يحبّ أن يعبد في السرّ كما يحبّ أن يُعبد في العلانية والمذيع لأمرنا
كالجاحد له(77) .
بيان الاستدلال: أنّ العبادة سرّاً المستفاد من قوله: يحبّ
أن يُعبد فى السرّ ، ظاهرة في العبادة على نعت التقيّة ، بقرينة
العبارات الواردة قبل هذه العبارة ، وواضح أنّ العمل الباطل لا يُعد
عبادةً .
وقد ورد في بعض الروايات أنّ التقيّة أحبُّ شيء يُعبد به الله كموثّقة
هشام بن سالم قال: سمعت أبا عبد الله(عليه السلام) يقول: ما عبد الله بشيء أحبّ إليه من الخبء ، قلت:
وما الخبء؟ قال: التقيّة(78) .
والمراد أنّ العبادة تقيّةً أحبّ من العبادة في غير التقيّة ، والله
العالم .
ومنها: موثقة سماعة قال: سألته عن رجل كان يصلّي فدخل
الإمام(عليه
السلام) وقد صلّى الرجل ركعة من صلاة
الفريضة ، قال: إنّ كان إماماً عادلاً فيصلّي اُخرى (اي ركعة اُخرى)
وينصرف ويجعلها تطوّعاً ويدخل مع الإمام ، وإن لم يكن إمام عدل فليبن على
صلاته كما هو وصلّى ركعة اُخرى ويجلس قدر ما يقول أشهد أن لا إله إلاّ الله وحده
لا شريك له وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله ، ثمّ يتمّ صلاته معه على ما استطاع ،
فإنّ التقيّة واسعة وليس شيء من التقيّة إلاّ وصاحبها مأجور عليها(79) .
وقد استدلّ الشيخ الأنصاري والسيّد الإمام الخميني بها على
الإجزاء ، ودلالتها عليه أوضح من بعض الروايات المبحوثة عنها ، فإنّها
كالنصّ في صحّه الصلاة معهم لأنّ قوله: «على قدر ما استطاع» بمعنى أنّ فعله
صحيح بمقدار الذي يستطيع أن يفعل ، ولو لم يستطع على إتيان جزء فلا محذور
فيه ، بل مأجور عليه ، والرواية وإن كانت واردة في الصلاة لكن نتعدّى
عنها بجهة التعليل الوارد في ذيلها .
والسيّد المحقّق الخوئي(80)
قد أورد على الشيخ الأنصاري بأنّ تفسيره للرواية غير صحيح وقال: إنّ الشيخ
قد حمل الجملة الثانية أعني قوله: «وإن لم يكن إمام عدل» على أنّه يجعل ما
نبذه من الفريضة تطوّعاً ويسلّم في الثانية ويأتمّ الإمام ، مع أنّ عبارة
الشيخ في رسالته تنادي بخلافه ، فإنّه قال(81):
فإنّ الأمر بإتمام الصلاة على ما استطاع مع عدم الإضطرار إلى فعل الفريضة في ذلك
الوقت معلّلاً بأنّ التقيّة واسعة يدلّ على جواز أداء الصلاة في سعة الوقت على
جميع وجوه التقيّة ، إنتهى كلامه .
ثمّ قال: إنّ الاستدلال بالرواية غير تامّ ولا يستفاد منها
الإجزاء ، لأنّ مضمون الرواية الإقتداء بالإمام بقدر ما يستطيعه من الإبراز
والإظهار ، وهذا لا اختصاص له بالائتمام من أوّل الصلاة ، بل لو أظهر
الائتمام في أثناء الصلاة أيضاً كان ذلك تقيّة ، وعلى ذلك لا دلالة للرواية
على جواز الإكتفاء في الصلاة معهم بما يتمكّن منه من الأجزاء والشرائط ،
والجملة المراد من الرواية إظهار الائتمام وصورة الائتمام بقدر
ما يستطع من الإظهار ، واستشهد لذلك بالعنوان الذي ذكره صاحب
الوسائل لهذا الباب الذي ذكر فيه الرواية ، فإنّ عنوان الباب هو استحباب
إظهار المتابعة في أثناء الصلاة مع المخالف ، وقال في آخر كلامه: ولعلّ
الشيخ لم يلفت نظره الشريف إلى عنوان الباب في الوسائل; إنتهى كلامه .
وفيه أوّلاً: أنّ قوله: «على ما استطاع» متعلّق
بقوله: «ليتمّ معه» والمعنى أنّ الائتمام مع الإمام واجب على نحو يكون
مستطيعاً ، والمعيّة ظاهرة في الإقتداء الواقعي لا الصوري ،
وبعبارة اُخرى: المعيّة الظاهريّة تحتاج إلى قيد ، بخلاف المعيّة
الواقعيّة فيكفي فيها الإطلاق .
وثانياً: أنّ ما فهمه صاحب الوسائل ليس حجّة حتّى يحتجّ به على
الشيخ ، فإنّا إذا تتبّعنا نجد بعض العناوين الواردة في أبواب الكتاب أنّه
غير مرتبطة بالأحاديث التي ذكرها تحت ذاك العنوان فليراجع .
فالاستدلال بالرواية للإجزاء تامّ ، لكن بقي هنا إشكال الإضمار في
سندها ، والمضمر هو سماعة وهو ليس كزرارة ومحمّد بن مسلم وأضرابهما من
الأجلاّء الذين لا يناسبهم السؤال عن غير أئمّتهم(عليهم السلام)بل هو من الواقفيّة ، ومن الممكن أن يسأل عن غير أئمّتنا .
|