الفصل الثامن في أنّ ترك التقيّة هل يفسد العمل أم لا؟لو ترك التقيّة وأتى بالعمل على خلافها فهنا صورتان:
الصورة الاُولى: ـ وهي التي لم يتعرّض لها الشيخ في رسالته ـ أن يترك المكلّف العمل
رأساً فلا يأتي به تقيّة ولا على طبق الوظيفة الأوليّة ، بل يعمل عملاً
ثالثاً ، كما إذا اقتضت التقيّة الوقوف بعرفات يوم الثامن من ذي الحجّة
والمكلّف قد ترك الوقوف في ذلك اليوم وفي اليوم التاسع على حسب عقيدته ، وكما
إذا اقتضت غسل الرجلين ولكن المكلّف ترك الغسل والمسح معاً .
ذهب السيّد الخوئي(82)
في هذه الصورة إلى أنّه لو استندنا في صحّة العمل المتّقى به إلى السيرة الجارية
من زمان الأئمّة إلى عصرنا هذا فلا إشكال في الحكم بالبطلان ، حيث يكفي فيه
مخالفته للوظيفة الواقعيّة ، والمخالف للواقع باطل .
وبعبارة اُخرى: السيرة إنّما تحقّقت فيما إذا كان العمل المخالف
للواقع موافقاً للعامّة بأن يؤتى به متابعة لهم ، وأمّا ما كان مخالفاً
للواقع ولم يكن موافقاً لهم فلم تقم أيّة سيرة على صحّته ، وأمّا إذا استندنا
في الصحّة إلى الأدلّة اللفظيّة كقوله(عليه السلام): ما صنعتم من شيء . . . فإن استفدنا من الأدلّة
اللفظيّة إنقلاب الوظيفة الواقعيّة الأوّليّة إلى ما يعتقده العامّة فلابدّ من
الحكم بالبطلان ، لعدم مطابقة المأتي به لما هو الوظيفة في ذلك الحال ،
وأمّا إذا استفدنا وجوب التقيّة فقط من دون إنقلاب في البين فلا يبعد الحكم
بالصحّة .
الصورة الثانية: وهي التي تعرّضها الشيخ الأنصاري(قدس سره) أن
يفعل المكلّف على طبق الوظيفة الواقعيّة الأوّليّة وترك العمل على طبق مذهب
العامّة ، ولا خلاف في صحّة المعاملة في هذا الفرض ، وإنّما وقع الخلاف
في صحّة العبادة وفيها أقوال ثلاثة:
الأوّل: صحّة العمل مطلقاً ، ذهب إليه جمع منهم السيّد
الإمام الخميني(قدس سره) .
والثاني: عدم الصحّة مطلقاً ، ذهب إليه صاحب الجواهر ،
وقد جزم به الفقيه الهمداني .
والثالث: التفصيل بين لزوم رعاية التقيّة في الأجزاء والشرائط
التي تكون متّحدة مع العبادة ، وبين الأجزاء والشرائط التي كانت خارجة
عنها ، ففي الأوّل ترك التقيّة موجب للبطلان بخلاف الثاني ، والأوّل
كالسجدة على التراب فيما إذا اقتضت التقيّة تركها والثاني كترك التكتّف وغسل
الرجلين في الوضوء ، ذهب إليه الشيخ الأنصاري ، ووافقه المحقّق
النائيني ، وتبعه السيّد الخوئي ، لكن في خصوص ما إذا اقتضت التقيّة ترك
شيء ولكن يفعله المكلّف ، أمّا فيما إذا اقتصد شيئاً كالتكتّف ولكن يتركه
المكلّف فعمله صحيح مطلقاً .
حجّة القول الأوّل: أنّ الصحّة مطابقة للقواعد ، لأنّ التقيّة وإن كانت واجبة ،
لكن الأمر بالشيء لا يقتضي النهي عن الضدّ ، فالأمر بالتقيّة لا يقتضي النهي
عن ضدّها حتّى يكون فاسداً ، وبناء على هذا يكون التارك للتقيّة عاصياً
فقط .
وفيه: أنّا لا نحتاج لإثبات النهي إلى هذه القاعدة الاُصوليّة
حتّى يقال بعدم إقتضاء الأمر بالشيء للنهي عن الضدّ ، بل يستفاد من التعليلات
الواردة في روايات التقيّة كقولهم: إنّ تركها موجب لوهن المذهب ، أو أنّ
تركها ذنب لا يُغفر(83)
أو ليس منّا من لم يلزم التقيّة(84) ،
أنّ الفعل على خلاف مذهبهم يكون منهيّاً عنه ، وإلاّ فمسألة الحرمة
التكليفيّة محل مناقشة مع أنّها مسلّمة قطعاً .
حجّة القول الثاني: اُمور:
الأوّل: وله تقريبان:
التقريب الأوّل: أنّ تارك التقيّة تارك للفعل المأمور به ،
وترك المأمور به مساوق لفساد العمل .
وأجاب عنه الشيخ الأعظم في رسالته(85)
بأنّ ترك التكتّف لا يكون إخلالاً بالمأمور به ، فإنّ التكتّف واجب مستقلّ
خارج عن المأمور به . ثمّ أورد على نفسه إيراداً وأجاب عنه .
والإيراد أنّ لازم كلامكم صحّة الوضوء لو ترك المسح على الرجلين وعلى
الخفّين معاً ، لأنّ المسح على الخفّين واجب مستقلّ ، وتركه غير مخلّ في
المأمور به ، مع أنّ الإجماع قائم على البطلان .
وأجاب أنّ البطلان ليس من جهة ترك التقيّة ، بل من جهة ترك أصل
المسح ، فإنّ التقيّة تقتضي إلغاء قيد المماساة بين الماسح والممسوح ،
ولا تقتضي إلغاء أصل المسح .
وبالجملة ، ذهب الشيخ في مسألة المسح إلى الإنحلال وأعتقد
بالإنحلال إلى أصل المسح وإلى المسح على البشرة ، والثاني ينتفي في فرض
التقيّة ، فبقى الأوّل بحاله ، واستدلّ برواية عبد الأعلى آل سام; ثمّ
إنّه قد أيّد الإنحلال بفتوى الفقهاء بتقديم غسل الرجلين فيما إذا دار الأمر بين
غسلهما وبين المسح على الخفّين; فإنّ علّة التقديم أنّ في الغسل يكون إيصال
الرطوبة موجوداً بخلاف المسح على الخفّين ، فهذا شاهد على الإنحلال .
وقد أورد عليه السيّد الإمام في رسالته(86)
بأنّ هذا النحو من التحليل ليتّسع الخرق على الواقع ، لإمكان أن يقال:
إنّ المسح ينحلّ إلى أصل الإمرار ولو بغير اليد وعلى غير الرجل ، فإذا تعذّر
المسح باليد وعلى الرجل يجب مسح شيء آخر وهو كما ترى . إنتهى كلامه .
ولنا على الشيخ إشكالان:
الإشكال الأوّل: عدم جريان هذا الجواب في الجزء والشرط ،
ففيما إذا وجب ترك جزء فلو فعله لفَعَل غير ما هو المأمور به في حال التقيّة ويكون
فاسداً .
الإشكال الثاني: أنّ الظاهر من أدلّة التقيّة إتيان العمل على
نحو يعتقده العامّة فإذا اعتقدوا بشرطيّة التكتّف للصلاة فتركه مخلّ بالمأمور به
قطعاً .
التقريب الثاني لهذا الدليل: أنّ التقيّة وعدمها موضوعان مختلفان
للحكم الواقعي الأوّلي والثانوي ، ولا ريب في تبدّل الحكم بتبدّل الموضوع
كالمسافر والحاضر ، ففي فرض التقيّة يتبدّل الحكم والأمر ، ومخالفته
موجب لفساد العمل .
إن قلت: التبدّل مسلّم فيما إذا كان التبدّل في الخطاب والملاك
معاً ، أمّا لو كان التبدّل في الخطاب مع بقاء الملاك فلا يتبدّل
الحكم ، فيصحّ العمل ، لتوقّف الصحّة على الملاك دون الخطاب .
قلت: لا طريق لإحراز الملاكات إلاّ الخطابات ، ومع سقوط
الخطاب وعدم وجود طريق آخر لا طريق إلى إحراز بقاء الملاك ، ومع عدم إحراز
بقاء الملاك لا يصحّ الحكم بالصحّة .
إن قلت: الطريق للإحراز هو الاستصحاب ، ففي فرض التقيّة
نعلم برفع الخطاب ونشكّ في سقوط الملاك ، فنستصحب بقاء الملاك .
قلت: إنّ هذا الأصل مثبّت ، فتدبّر .
تنبيه:
إنّ الظاهر من أدلّة التقيّة إنقلاب الواقعي ، فيسقط الحكم
الواقعي ملاكاً وخطاباً ، كما يستفاد من قول أبي عبد الله في صحيح ابن
سالم: ويدرؤون بالحسنة السيّئة قال(عليه السلام): الحسنة التقيّة والسيّئة الإذاعة(87) ،
وقوله(عليه
السلام): لا دين لمن لا تقيّة له ، إلى
غير ذلك من التعبيرات المقتضية للإنقلاب .
وما يقال(88)
من أنّ ظاهر أوامر التقيّة كونها ديناً وهو مقتض لبدليّة ما يوافق التقيّة عن
الواقع ، فيكون في طول الواقع ، فالإتيان بالواقع مجزئ مسقط
للأمر ، فيكفي في فساده التأمّل في التعبيرات الواردة في أدلّة
التقيّة ، فإنّ معنى كون عدم التقيّة سيّئةً ، هو عدم المشروعيّة ،
وبهذا البيان يظهر فساد ما ذهب إليه المحقّق النائيني من الإنقلاب(89)
في خصوص الأجزاء والشرائط المتّحدة مع العبادة ، فإنّ المستفاد من الروايات
هو الإنقلاب مطلقاً .
|