« السابق فهرس بعد »

صفحه 27

الضرورة . والآية وإن كانت في مورد الإكراه ، إلاّ أنّه سيأتي(1) عدم الفرق موضوعاً بين التقيّة والإكراه، وأنّ من مصاديقها التقيّة الإكراهيّة; بمعنى التقيّة التي يكون منشؤها الإكراه .

3 ـ قوله ـ تعالى ـ : ( وَ قَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَـنَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّىَ اللَّهُ وَقَدْ جَآءَكُم بِالْبَيِّنَـتِ مِن رَّبِّكُمْ) (2). فالآية دالّة على جواز كتمان الإيمان عند الخوف على النفس ، ولا ريب أنّ كتمان الإيمان لا يتحقّق عادة إلاّ بإظهار خلافه، والاشتراك مع الكفّار في بعض أعمالهم، وترك وظائف المؤمنين ، فينطبق على عمله عنوان التقيّة .

فهذه الآيات تدلّ على مشروعيّة التقيّة بالمعنى الأعمّ، عند الخوف من الكفّار وغيرهم .


(1) في ص31 ـ 34.
(2) سورة غافر 40 : 28 .

صفحه 28

الفصل الخامس :
الموارد التي لا تكون التقيّة مشروعة فيها

قد استثني في كلمات الفقهاء أربعة موارد ، وعلى حسب تجزئتنا يكون بعضها مستثنى من التقيّة بالمعنى الأخصّ فقط ، وبعضها مشتركة يستثنى منها بالمعنى الأخصّ والأعمّ معاً .

المورد الأوّل : وهو من الموارد المشتركة بينهما; وهو فيما إذا كانت التقيّة موهنة للمذهب، أو لاُصول الأحكام، وموجبة لفساد الدين ، وبعبارة اُخرى: كانت سبباً لتحقّق المعاصي الكبيرة التي لا يرضى الشارع بتحقّقها ولو بنحو التقيّة ، كهدم الكعبة والمشاهد المشرّفة، وتفسير باطل لكلام الله تبارك وتعالى ، ففي هذه الموارد لا تكون التقيّة مشروعة بوجه . ويستدلّ على ذلك بأدلّة :

الدليل الأوّل : أنّ تقدّم أدلّة التقيّة على أدلّة سائر الواجبات والمحرّمات من باب الحكومة ; وهي ممنوعة في الموارد التي تكون سبباً لوهن المذهب، وموجباً لفساد الدين; فإنّ أدلّة التقيّة وإن كانت ناظرة إلى مثل دليل الصلاة وغيرها ، ولكن لاتكون ناظرة إلى مثل هذه المحرّمات العظيمة .

الدليل الثاني : أنّه لو فرضنا شمول أدلّة التقيّة بالنسبة إلى جميع الموارد ، فمن


صفحه 30

الواضح انصراف الاطلاقات إلى الموارد التي لا تكون موجبة لفساد الدين .

ولا يخفى أنّ هذين الدليلين تامّان بالنسبة إلى التقيّة بالمعنى الأخصّ ، وقاصران عن التقيّة بالمعنى الأعمّ .

الدليل الثالث : وهو المختصّ بالتقيّة بالمعنى الأعمّ ، وقد قلنا سابقاً(1) بجريان قواعد التزاحم فيها ، ومن البديهي أنّ حفظ الدين أهمّ بمراتب من التقيّة .

الدليل الرابع : ما جاء في بعض الروايات المعتبرة من أنّ التقيّة إذا كانت مستلزمة لفساد الدين فغير جائزة :

1 ـ ما عن عليّ بن إبراهيم ، عن هارون بن مسلم ، عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) ، وفيه : وتفسير ما يتّقى مثل أن يكون قوم سوء ظاهر حكمهم وفعلهم على غير حكم الحقّ وفعله ، فكلّ شيء يعمل المؤمن بينهم لمكان التقيّة ممّا لا  يؤدّي إلى الفساد في الدين; فإنّه جائز(2) .

والرواية معتبرة سنداً ; فإنّ مسعدة بن صدقة وإن لم يكن في مورده توثيق خاصّ، لكن روايته معتبرة من جهتين :

الجهة الاُولى : أنّ له توثيقاً عامّاً; لوجوده في أسناد كتاب كامل الزيارات وتفسير عليّ بن إبراهيم(3) ، وهذا المقدار يكفي في الوثاقة مالم يكن في مقابله تضعيف خاصّ معتبر .

الجهة الثانية : أنّ ما رواه مطابق من جهة المضمون والمدلول لما جاء في الروايات الصحيحة ، فالرواية تامّة من حيث السند . وأمّا وجه الدلالة; فإنّ فيها ضابطة كلّية لموارد التقيّة، فقد حدّد الإمام (عليه السلام) مشروعيّتها بما إذا لم يؤدّي إلى الفساد


(1) في ص20 و 21 ـ 23.
(2) الكافي 2: 168 ح1 ، وعنه وسائل الشيعة 16: 216 ، كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أبواب الأمر والنهي ب 25 ح6 .
(3) كامل الزيارات، مقدّمة المؤلّف: 37، تفسير القمّي، مقدّمة الكتاب: 4.

صفحه 31

في الدين .

2 ـ ما عن الشيخ الطوسي بإسناده عن محمّد بن الحسن الصفّار ، عن يعقوب يعني ابن يزيد ، عن الحسن بن عليّ بن فضّال، عن شعيب العقرقوفي ، عن أبي حمزة الثمالي قال : قال أبو عبد الله (عليه السلام)  : وأيم الله لو دعيتم لتنصرونا لقلتم : لانفعل إنّما نتّقي ، ولكانت التقيّة أحبّ إليكم من آبائكم واُمّهاتكم(1) .

والمستفاد منها: أنّ التقيّة غير مشروعة فيما إذا وجبت نصرة الإمام (عليه السلام) ; فإنّ نصرته من أعظم الفرائض ، والتقيّة إن كانت مؤدّية إلى عدم نصرته فغير جائزة .

المورد الثاني : وهو أيضاً من الموارد المشتركة في مسألة الدماء ; فإنّ التقيّة مشروعة فيما إذا لم تبلغ الدم ، فإذا بلغ فلا تقيّة ، فلو اُكره شخص على قتل نفس محترمة لكان القتل من جهة التقيّة غير مشروعة .

والدليل عليه ـ مضافاً إلى أنّه ادّعى ابن ادريس عدم الخلاف في ذلك(2) ـ رواية محمّد بن يعقوب ، عن أبي عليّ الأشعري ، عن محمّد بن عبد الجبّار ، عن صفوان ، عن شعيب الحدّاد ، عن محمّد بن مسلم ، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : إنّما جعلت التقيّة ليحقن بها الدم ، فإذا بلغ الدم فليس تقيّة(3) .

والرواية صريحة في عدم مشروعيّة التقيّة فيما إذا بلغ الدم . وهنا إشكال يجب طرحه والجواب عنه ، وهو: أنّ المثال في هذا المورد منحصر بمسألة الإكراه ، بينما أنّ بين التقيّة والإكراه فرقاً من وجوه مختلفة :

الوجه الأوّل : من جهة التعريف ; فإنّ تعريف التقيّة على ما جاء في رواية


(1) تهذيب الأحكام 6: 172 ح335، وعنه وسائل الشيعة 16: 234، كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أبواب الأمر والنهي ب31 ح2.
(2) السرائر 2: 203.
(3) الكافي 2: 220 ح16، المحاسن 1: 404 ح914، وعنهما وسائل الشيعة 16: 234، كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أبواب الأمر والنهي ب31 ح1.

صفحه 32

مسعدة: أن يكون قوم سوء ظاهر فعلهم وحكمهم على خلاف حكم الحقّ ، والتحفّظ عن القوم بإتيان الفعل الموافق لمذهبهم يكون تقيّة . وأمّا تعريف الإكراه: أن يكره شخص على إتيان فعل ومع التوعيد على تركه ، فالإكراه أمر إضافيّ فيما بين المكرِه والمكرَه والمكرَه عليه مع وجود التوعيد على ترك المكرَه عليه ، بخلاف التقيّة الخالية عن التوعيد والمكرِه (بالكسر) .

الوجه الثاني : أنّ التقيّة تصلح لأن تكون متعلّقة للحكم الشرعيّ، كالوجوب والاستحباب ، بخلاف الإكراه ، فلا يقال : إنّ العمل المكرَه عليه واجب أو مستحبّ ، بل غايته أنّ الإكراه يرفع الحكم الإلزاميّ المتعلّق به; وهي الحرمة .

الوجه الثالث : الفرق بينهما من جهة المتعلّق ; فإنّ التقيّة مشروعة لحفظ الدم; من دون فرق بين دم المتّقي ودم غيره ، بخلاف الإكراه ; فإنّ النظر فيه إلى نفس المكرَه فقط .

وبعد هذه الأوجه الثلاثة لا يصحّ أن يقال: إنّ مورد الروايات ـ التي تدلّ على عدم مشروعيّة التقيّة في الدم ـ هو الإكراه، كما مال إليه جمع(1) .

وقد أجاب عن هذا الإشكال السيّد الإمام الخميني (قدس سره) بالأجوبة الثلاثة :

الجواب الأوّل : أنّ التقيّة أعمّ من الإكراه من حيث اللغة ، فالتقيّة فيها عبارة عن مطلق الاجتناب والتجنّب ، والتجنّب عن المكرَه عليه من مصاديق التجنّب المطلق ، فعلى هذا يكون الإكراه من مصاديق التقيّة . واللازم حمل كلمة التقيّة في الروايات على التقيّة بالمعنى اللغوي . وأمّا ما جاء في رواية مسعدة المتقدِّمة في تفسير التقيّة; فإنّه في مقام بيان المصداق لها ، وليس في مقام بيان حقيقتها .

الجواب الثاني : يستفاد من بعض الروايات عدم الفرق بين التقيّة والإكراه :

1 ـ عن عليّ بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن جميل ، عن محمّد بن


(1) مجمع الفائدة والبرهان 8 : 97، رياض المسائل 80 : 108 ـ 109، مفتاح الكرامة 12: 377ـ 383.

صفحه 33

مروان، قال: قال لي أبوعبدالله (عليه السلام)  : مامنع ميثم رحمه الله من التقيّة؟ فوالله لقد علم أنّ هذه الآية نزلت في عمّار وأصحابه: (إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَـئـِنُّ بِالاِْيمَـنِ) (1)،(2)والرواية وإن كانت ضعيفة لمجهوليّة محمّد بن مروان ، إلاّ أنّ الإمام (عليه السلام) استشهد لجواز التقيّة بآية الإكراه، فهي تدلّ على عدم الفرق بين الإكراه والتقيّة .

2 ـ رواية درست الواسطي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال : ما بلغت تقيّة أحد مابلغت تقيّة أصحاب الكهف ، إنّهم كانوا يشدّون الزنانير، ويشهدون الأعياد ، فآتاهم الله أجرهم مرّتين(3).

فهذه الرواية بضميمة رواية عبد الله بن يحيى، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنّه ذكر أصحاب الكهف فقال : لو كلّفكم قومكم ما كلّفهم قومهم، فقيل له : وما كلّفهم قومهم؟ فقال : كلّفوهم الشرك بالله العظيم، فأظهروا لهم الشرك، وأسرّوا الإيمان حتّى جاءهم الفرج(4) تدلاّن على أنّ الإكراه من مصاديق التقيّة ; فإنّ أصحاب الكهف قد اُكرهوا وكلّفوا الشرك بالله ، وقد سمّى الإمام الصادق (عليه السلام) هذا الإكراه بالتقيّة ، فتدبّر .

3 ـ التعبيرات العامّة الواردة في روايات التقيّة، كقوله (عليه السلام)  :

التقيّة في كلّ ضرورة(5) ، أو التقيّة في كلّ شيء يضطرّ إليه ابن آدم فقد أحلّه الله


(1) سورة النحل 16: 106.
(2) الكافي 2 : 220 ح15، وعنه وسائل الشيعة 16 : 226، كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أبواب الأمر والنهي ب29 ح3.
(3) تفسير العيّاشي 2 : 323 ح9، الكافي 2 : 218 ح8 ، وعنهما وسائل الشيعة 16: 230، كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، أبواب الأمر والنهي ب29 ح15 وص219 ب26 ح1.
(4) تفسير العيّاشي 2 : 323 ح8 ، وعنه وسائل الشيعة 16 : 230، كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أبواب الأمر والنهي ب29 ح14.
(5) الكافي 2 : 219 ح13، المحاسن 1 : 403 ح911، الفقيه 3 : 230 ح1084، وعنها وسائل الشيعة 16: 214 و217، كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أبواب الأمر والنهي ب25 ح1 و 8 ، وج23 : 225 ، كتاب الأيمان ب12 ح7 ، وفي بحار الأنوار 75 : 399 ح33 عن المحاسن.

صفحه 34

له(1) ، ولا شكّ في أنّ الإكراه من مصاديق الضرورة والاضطرار .

الجواب الثالث : لو أغمضنا عن الجواب الأوّل والثاني، وقلنا بوجوب الفرق الموضوعي بين التقيّة والإكراه ، نقول بأنّ الإكراه ملحق بالتقيّة من حيث الحكم ، والشاهد للإلحاق قوله (عليه السلام) في رواية بكر بن محمّد : إنّ التقيّة ترس المؤمن، ولا إيمان لمن لا تقيّة له ، فقلت له : جُعلت فداك ، قول الله ـ تبارك وتعالىـ : (إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَـئـِنُّ بِالاِْيمَـنِ)  ، قال : وهل التقيّة إلاّ هذا(2) .

فهذه الرواية دالّة على اتّحاد التقيّة مع الإكراه من حيث الموضوع ، ولا أقلّ من حيث الحكم ، فكما أنّ التقيّة غير مشروعة فيما إذا بلغ الدم، فكذلك الإكراه(3) ، انتهى خلاصة ما ذكره السيّد الإمام .

وهذا البيان وإن كان متيناً ودقيقاً ، إلاّ أنّه لا ينحلّ به ما ذكره المستشكل في الوجه الثاني ، فتدبّر .

والتحقيق أن يقال : إنّ الإكراه من مصاديق التقيّة بالمعنى الأعمّ ، ويختلف الإكراه عن التقيّة بالمعنى الأخصّ في التعريف، والغاية، والموضوع، والحكم .

وبهذا البيان تظهر المناقشة فيما ذكره (قدس سره) من أنّ الروايات في مقام بيان مصداق التقيّة ; فإنّ رواية مسعدة بن صدقة المتقدّمة صريحة في مقام تفسير التقيّة بالمعنى


(1) الكافي 2 : 220 ح18، المحاسن 1 : 404 ح912، وعنهما وسائل الشيعة 16 : 214، كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أبواب الأمر والنهي ب25 ح2.
وفي بحار الأنوار 62 : 82 ح2 وج65 : 157 ح32 وج 75 : 399 ح34 عن المحاسن.
(2) قرب الإسناد: 35 ح114 ، وعنه وسائل الشيعة 16 : 227، كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أبواب الأمر والنهي ب29 ح6 ، وبحار الأنوار 75 : 394 ح6.
(3) المكاسب المحرّمة للإمام الخميني (رحمه الله) 2 : 225 ـ 227.

صفحه 35

الأخصّ ، فتدبّر .

المورد الثالث : وهو المستثنى من التقيّة بالمعنى الأخصّ فقط، ولا يرتبط بالتقيّة بالمعنى الأعمّ ، وهو أنّه قد يقال بعدم جريان التقيّة في الاُمور الخمسة : المسح على الخفّين ، ومتعة الحجّ ، وشرب المسكر ، وشرب النبيذ ، والجهر بـ «بسم الله» . وبما أنّ المدرك في التقيّة بالمعنى الأخصّ هي الروايات الموجودة ، فيجب الفحص عمّا ورد في الروايات .

فنقول : إنّ هناك طائفتين من الروايات .

الطائفة الاُولى : ما دلّ بظاهره على عدم جريان التقيّة في هذه الاُمور :

1 ـ عن عليّ بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن هشام بن سالم ، عن أبي عمر الأعجمي (ابن عمر الأعجمي خ ل)، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث أنّه قال : لا  دين لمن لا تقيّة له ، والتقيّة في كلّ شيء إلاّ في النبيذ والمسح على الخفّين(1) .

2 ـ عن عليّ بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن حمّاد ، عن حريز ، عن زرارة قال : قلت له : في مسح الخفّين تقيّة؟ فقال : ثلاثة لا أتّقي فيهنّ أحداً : شرب المسكر ، ومسح الخّفين ،ومتعة الحجّ . قال زرارة : ولم يقل الواجب عليكم أن لا تتّقوا فيهنّ أحداً(2) .

3 ـ عن أبي عليّ الأشعري ، عن الحسن بن عليّ الكوفي ، عن عثمان بن عيسى ،


(1) تأتي بتمامها في ص64.
(2) الكافي 3 : 32 ح2، تهذيب الأحكام 1 : 362 ح1093، الاستبصار 1 : 76 ح237، وعنها وسائل الشيعة: 1 : 457، كتاب الطهارة، أبواب الوضوء ب38 ح1 ، وج16 : 215، كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أبواب الأمر والنهي ب25 ح5.
وروى صدره في ج25: 350، كتاب الأطعمة والأشربة، أبواب الأشربة المحرّمة ب22 ح1 عن الكافي 6: 415 ح12 ، وتهذيب الأحكام 9: 114 ح495.

صفحه 36

عن سعيد بن يسار قال : قال أبو عبد لله (عليه السلام)  : ليس في شرب النبيذ تقيّة(1) .

4 ـ في الخصال بسنده عن عليّ (عليه السلام) في حديث الأربعمائة قال : ليس في شرب المسكر والمسح على الخفّين تقيّة(2) .

الطائفة الثانية : ما دلّ بظاهره على جريان التقيّة في هذه الاُمور :

1 ـ محمّد بن الحسن بإسناده عن الحسين بن سعيد ، عن فضالة ، عن حمّاد بن عثمان ، عن محمّد بن النعمان ، عن أبي الورد قال : قلت لأبي جعفر (عليه السلام)  : إنّ أبا ظبيان حدّثني أنّه رأى عليّاً (عليه السلام) أراق الماء ثمّ مسح على الخفّين؟ فقال : كذب أبو ظبيان، أما بلغك قول عليّ (عليه السلام) فيكم: سبق الكتاب الخفّين ، فقلت : فهل فيهما رخصة؟ فقال :  لا ، الاّ من عدوّ تتّقيه ، أو ثلج تخاف على رجليك(3) .

2 ـ محمّد بن عمر الكشّي في كتاب الرجال ، عن نصر بن الصباح ، عن إسحاق بن يزيد بن محمّد البصري ، عن جعفر بن محمّد بن الفضل (الفضيل خ ل) ، عن محمّد بن عليّ الهمداني ، عن درست بن أبي منصور قال : كنت عند أبي الحسن موسى (عليه السلام) وعنده الكميت بن زيد، فقال للكميت : أنت الذي تقول :

فالآن صرت إلى اُميّـ *** ـة والاُمور «لها» إلى مصائر ؟

قال : قلت ذاك والله ما رجعت عن إيماني ، وإنّي لكم لموال، ولعدوّكم لقال ، ولكنّي قلته على التقيّة، قال : أما لئن قلت ذلك إنّ التقيّة تجوز في شرب الخمر(4) .


(1) الكافي 6: 414 ح11، تهذيب الأحكام 9: 114 ح494، وعنهما وسائل الشيعة 25: 351 ، كتاب الأطعمة والأشربة، أبواب الأشربة المحرّمة ب22 ح2.
(2) الخصال: 614، وعنه وسائل الشيعة 1: 461، كتاب الطهارة، أبواب الوضوء ب38 ح18.
(3) تهذيب الأحكام 1: 362 ح1092، الاستبصار 1: 76 ح236، وعنهما وسائل الشيعة 1: 458، كتاب الطهارة، أبواب الوضوء ب38 ح5.
(4) اختيار معرفة الرجال، المعروف بـ «رجال الكشي»: 207 ح364، وعنه وسائل الشيعة 16: 216، كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أبواب الأمر والنهي ب25 ح7.

صفحه 37

وفي تفسيرها احتمالان :

الأوّل : أنّ المراد بقوله (عليه السلام)  : «لئن قلت ذلك» الخ ، أنّ هذا الشعر من باب الجواز، كما أنّ شرب الخمر جائز من باب التقيّة ، وعلى هذا التفسير تكون الرواية من الطائفة الثانية .

الثاني : أنّ الإمام (عليه السلام) لم يقبل عذر الكميت، بل قال في ردّ عذره : إنّ التقيّةإن كانت واسعة بهذا المقدار حتّى يجوز الشعر في مدح بني اُميّة، لكانت مجوِّزة لشرب الخمر مع عدم جوازه ولوتقيّة ، وعلى هذا الاحتمال تكون من الطائفة الاُولى .

3 ـ عن عدّة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ، عن محمّد بن عبد الحميد ، عن يونس بن يعقوب ، عن عمرو بن مروان قال : قلت لأبي عبد الله (عليه السلام)  : إنّ هؤلاء ربما حضرت معهم العشاء، فيجيئون بالنبيذ بعد ذلك ، فإن لم أشربه خفت أن يقولوا: فلانيٌ، فكيف أصنع؟ فقال : اكسره بالماء . قلت : فإن أنا كسرته بالماء أشربه؟ قال : لا(1) .

فهذه الطائفة تدلّ على جريان التقيّة في الاُمور المذكورة ، فيقع التعارض بحسب الظاهر بين الطائفتين ، وقد ذكر للجمع بينهما طرق مختلفة .

الطريق الأوّل : أن يقال(2) : إنّ عدم جريان التقيّة في الاُمور المذكورة من اختصاصات الأئمـّة المعصومين(عليهم السلام)، والطائفة الاُولى ناظرة إلى هذا المطلب ، والشاهد على ذلك التعبير بصيغة المتكلّم وحده ، أعني «لا أتّقي»، ولأجل هذا التعبير فهم زرارة اختصاص الحكم بالإمام (عليه السلام)  .

ويرد على هذا أوّلاً : قد وردت في بعض النسخ بصيغة المتكلّم مع الغير ، أو


(1) الكافي 6 : 410 ح13، وعنه وسائل الشيعة 25: 351 ، كتاب الأطعمة والأشربة ، أبواب الأشربة المحرّمة ب 22 ح4 .
(2) التنقيح في شرح العروة الوثقى (موسوعة الإمام الخوئي) 5: 215 و 219.

صفحه 38

بصيغة المضارع المجهول .

وثانياً :أنّ زرارةوإن فهم الاختصاص من كلام الإمام (عليه السلام)  ،لكن فهمه ليس بحجّة .

وثالثاً : أنّ الاختصاص يحتاج إلى وجه معقول ، وما هو الفارق بين التكتّف والمسح على الخفّين حتّى يقال باختصاص الثاني بالإمام (عليه السلام) ، وعدم اختصاص الأوّل؟ . والظاهر عدم وجود الوجه للاختصاص عدا وجهين :

الوجه الأوّل : أنّ الأئمـّة(عليهم السلام) من شؤونهم الإفتاء، كسائر فقهاء العامّة ، والسلاطين في زمانهم لا يمنعونهم عن الإفتاء، بل يمنعون الناس عن الاجتماع حولهم ، فالروايات الدالّة على عدم جواز التقيّة في هذه الموارد بصدد بيان الفتوى من جانب الأئمـّة(عليهم السلام) .

الوجه الثاني : أنّ فتوى الأئمـّة(عليهم السلام) في عدم جواز المسح على الخفّين ، ومتعة الحجّ ، وعدم جواز شرب المسكر كان أمراً واضحاً بين الناس ، فلا معنى للتقيّة في ذلك .

وكلا الوجهين مخدوشان . أمّا الأوّل; فلمنافاته لظاهر الروايات ; فإنّها ظاهرة في عدم جريان التقيّة فيها بعد كون الاُمور المذكورة مفروغاً عنها من جهة الفتوى ، وأمّا الثاني; فلأنّ وضوح الفتوى بين الناس كيف يكون موجباً لاختصاص عدم التقيّة بالأئمّة(عليهم السلام)؟ بل على هذا يلزم عدم مشروعيّة التقيّة للجميع ; من دون فرق بين الإمام (عليه السلام) وغيره .

فالطريق الأوّل للجمع غير صحيح لما عرفت .

الطريق الثاني : ما ذهب إليه السيّد الخوئي (قدس سره) ; من أنّ خروج هذه الموارد لا  يكون خروجاً حكميّاً ، بل من باب التخصّص والخروج الموضوعي ; فإنّ التقيّة منتفية فيها شرطاً، أو موضوعاً ، وقد يقرّب بتقريبين :


صفحه 39

التقريب الأوّل : أنّه في جميع هذه الموارد يمكن التخلّص عن التقيّة دائماً ، فبهذا اللحاظ لا تجري التقيّة فيها.

وفيه: أنّ هذا مبنيّ على شرطيّة عدم المندوحة، مع ذهاب المشهور(1) إلى عدم اعتباره .

التقريب الثاني : أنّ التقيّة تتحقّق في العمل الذي قد أفتى علماء العامّةعلى وفق ذاك العمل على خلاف مذهب الإماميّة ، مع أنّه لم يفت أحد من علمائهم بجواز شرب الخمر . نعم، يمكن جريان الإكراه والإجبار فيه ، لكن هذا أمر آخرغير التقيّة; فلا معنى للتقيّة المصطلحة في شرب الخمر ; فإنّها إنّما تتحقّق فيماإذا كان الأمر على خلاف مذهبهم . أمّا مع الموافقة فلا موضوع للتقيّة.

هذا بالنسبة إلى شرب الخمر . وأمّا علّة عدم جريان التقيّة في متعة الحج; فلعدم وجود شرط التقيّة فيها ; فإنّ من شرائطها خوف ترتّب الضرر على خلافها مع إمكان تحقّق حجّ التمتّع من دون خوف الضرر ; فإنّ حجّ التمتّع يكون في الظاهر كحجّ القران إلاّ في النيّة والتقصير ، والأوّل أمر قلبيّ لا يجري فيه التقيّة ، والثاني يمكن أن يفعل في الخفاء .

وأمّا عدم جريانها في المسح على الخفّين، فلعدم وجود إجماع بينهم فيه ، بل أكثرهم قائلون بالتخيير بين المسح على الخفّفين وغسل الرجلين ، وجريان التقيّة في غسل الرجلين إجماعيّ بيننا ، فلا موضوع للتقيّة في المسح على الخفّين (2).

ويرد على هذا التقريب:

أوّلاً : أنّ هذا البيان مخالف لظاهر الروايات ; فإنّ لسانها ظاهر في الخروج الحكمي لا الموضوعي .


(1) البيان للشهيد الأوّل: 48، روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان 1: 112، جامع المقاصد 1: 222، مفتاح الكرامة 2: 448، رسائل فقهيّة (تراث الشيخ الأعظم): 81 .
(2) التنقيح في شرح العروة الوثقى (موسوعة الإمام الخوئي) 5: 219 ـ 220.

صفحه 40

وثانياً : أنّ الخروج الموضوعي كيف يجري في الجهر بـ «بسم الله» ؟ فإنّ فقهاء العامّة قائلون بعدم جواز قراءة البسلمة، ولا أقل كراهة قراءتها ، والظاهر أنّه ليس أحد منهم يفتي بالجهر حتّى ينتفي موضوع التقيّة .

الطريق الثالث : ما ذهب إليه السيّد الإمام الخميني(1); من أنّ المراد من عدمجريان التقيّة ـ في شرب المسكر، والمسح على الخفّين، ومتعة الحجّ ـ عدم جريانها من حيث التقيّة المداراتيّة . وأمّا التقيّة الخوفيّة فيجري فيها .

ويرد عليه:

أوّلاً: أنّ كلمة التقيّة عند الاستعمال مطلقاً تنصرف إلى التقيّة الخوفيّة . وأمّا التقيّة المداراتيّة، فتحتاج إلى قرينة زائدة .

وثانياً : أنّه قد ذكر في بعض هذه الروايات أنّه «لا دين لمن لا تقيّة له»(2). والالتزام بأنّ ترك التقيّة المداراتيّة موجب للخروج عن الدين مشكل جدّاً ، سيّما على القول باستحباب المداراة مع العامّة ، كما ذهب إليه الشيخ الأعظم(3) .

الطريق الرابع : ـ وهو الطريق الصحيح الذي اخترناه، ولم يذكر في كلمات القوم ـ أن نقول : إنّ جريان التقيّة في شرب الخمر، والمسح على الخفّين، ومتعة الحجّ يؤدّي إلى الفساد في الدين، والمخالفة مع ما جاء في الكتاب العزيز، وعلى هذا يكون وزان هذه الروايات وزان الروايات التي قد حدّد جريان التقيّة بما لا يؤدّي إلى الفساد في الدين .

بيان ذلك : أنّ المراد من الدين ليس خصوص الاعتقادات ، بل المراد ما يرتبط بالدين وما يكون من الدين قطعاً ، ومن الواضح أنّ ما جاء في الكتاب العزيز يكون من الدين قطعاً ، فالمخالفة معه أو بغيره موجب لوهن الدين وفساده .


(1) الرسائل، رسالة في التقيّة 2 : 180 .
(2) يأتي في ص65.
(3) رسائل فقهيّة (تراث الشيخ الأعظم): 75.

صفحه 41

فقد جاء حكم متعة الحجّ في قوله ـ تعالى ـ : (فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْىِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَـثَةِ أَيَّام فِى الْحَجِّ وَسَبْعَة إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَ لِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) (1) ، وكذلك قد ذكر لزوم المسح على الرجلين في قوله ـ تعالى ـ : ( وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلى الْكَعْبَيْن) (2) ، وأيضاً حرمة شرب الخمر من ضروريات الدين مع التعرّض لها في الكتاب أيضاً .

فتبيّن أنّ الأئمـّة(عليهم السلام) لمّا رأوا أنّ جريان التقيّة في هذه الاُمور مستلزم لتغيير الكتاب والمخالفة مع ما جاء فيه، فصرّحوا بعدم جريانها في هذه الاُمور .

فعلى هذا يرجع المورد الثالث من موارد الاستثناء إلى المورد الأوّل الذي ذكرناه .

هذا، لكن يبقى في المقام مسألة الجهر بالبسملة ، والأمر فيه سهل; لخلوّ أكثر الروايات التي تكون في مقام بيان موارد الاستثناء عن هذا المورد .

المورد الرابع : وهو الذي يستثنى من التقيّة بالمعنى الأخصّ ، البراءة عن أمير   المؤمنين عليّ وسائر الأئمـّة(عليهم السلام) ، وفيه روايات متعدّدة(3) ، والبحث عنها خارج عن مجال رسالتنا، ويحتاج إلى بحث مفصّل .


(1) سورة البقرة 2 : 196 .
(2) سورة المائدة 5: 6 .
(3) وسائل الشيعة 16: 225 ـ 232، كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أبواب الأمر والنهي ب29.

صفحه 42


صفحه 43

الفصل السادس :
أنواع التقيّة

يستفاد من كلمات الفقهاء (رحمهم الله) أنّ التقيّة على أنواع أربعة :

الأوّل: التقيّة الإكراهيّة ; وهي التي يكون منشأ التقيّة فيها الإكراه من قبل الغير ، والدليل على ذلك قوله ـ تعالىـ : ( إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَـئـِنُّ بِالاِْيمَـنِ) (1). وكون هذا النوع من التقيّة، مبنيٌ على كون الإكراه من مصاديق التقيّة; أمّا بناءً على تباينهما، فلا موضوع لهذا النوع ، وقد فصّلنا البحث في ذلك سابقاً(2) .

الثاني: التقيّة الخوفيّة : وهي التقيّة المعروفة ، ويكون منشأ التقيّة فيهاخوف ترتّب الضرر على الإنسان مالاً، أو عرضاً، أو نفساً ، والدليل عليها هي الأدلّة التي ذكرناها سابقاً(3) في التقيّة بالمعنى الأعمّ; مضافاً إلى الروايات المتعدّدة،


(1) سورة النحل 16 : 106 .
(2) في ص31 ـ 34.
(3) في ص: 25 ـ 27.

صفحه 44

وقد ذكرنا بعضها سابقاً(1)، فراجع .

الثالث: التقيّة الكتمانيّة ; بمعنى التحفّظ عن إفشاء المذهب، وإبراز أسرارأهل البيت(عليهم السلام)، والدليل عليه هي الروايات التي ذكرها صاحب الوسائل، كقوله (عليه السلام)  : يا سليمان إنّكم على دين، من كتمه أعزّه الله، ومن أذاعه أذلّه الله(2). وغيره من الأحاديث الواردة في باب وجوب كتم الدين من غير أهله مع التقيّة(3) ، فراجع .

الرابع: التقيّة المداراتيّة ; وهي التي لا يكون فيها خوف، أو إكراه، أو كتمان دين ، بل شرّعت لأجل المداراة مع العامّة، وجلب مودّتهم، ووحدة الكلمة بيننا وبينهم، ولأجل شوكة الدين واقتدار المسلمين; والدليل على ذلك أيضاً الروايات المتعدّدة التي ذكرها صاحب الوسائل في باب «وجوب عشرة العامّة بالتقيّة»; وهي عبارة عن :

1 ـ ما عن محمّد بن يعقوب ، عن أحمد بن محمّد ، عن عليّ بن الحكم ، عن هشام الكندي قال : سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول : إيّاكم أن تعملوا عملاً نعيّر به ، فإنّ ولد السوء يعيّر والده بعمله ، كونوا لمن انقطعتم إليه زيناً ، ولا تكونوا عليه شيناً ، صلّوا في عشائرهم ، وعودوا مرضاهم ، واشهدوا جنائزهم ، ولا يسبقونكم إلى شيء من الخير، فأنتم أولى به منهم ، والله ما عبد الله بشيء أحبُّ إليه من الخبء ، قلت : وما الخبء؟ قال : التقيّة(4) .


(1) في ص: 32 ـ 33.
(2) الكافي 2 : 222 ح3، المحاسن 1: 400 ح899 ، وعنهما وسائل الشيعة 16: 235، كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أبواب الأمر والنهي ب32 ح1.
وفي بحار الأنوار 75: 397 ح25 عن المحاسن.
(3) وسائل الشيعة 16: 235 ـ 237، كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أبواب الأمر والنهي ب32.
(4) الكافي 2: 219 ح11، وعنه وسائل الشيعة 16: 219، كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أبواب الأمر والنهي ب26 ح2.

الصفحة الرئيسية   
السيرة  
المؤلفات  
الدروس  
لقاءات صحفية  
محفظة الصور  
الذکريات  
اتصلوا بنا  
المواقع التابعة