« السابق فهرس بعد »

صفحه 216

الإنسان ، ومع تحقّق هذه العدالة يتحرّك جميع أفراد البشر في المسار الصحيح في دائرة العقيدة والممارسة إلى درجة أنّ كلّ فرد وكلّ موجود ينال نصيبه المقرّر له من الكمال .

يقول أمير المؤمنين (عليه السلام) في توضيح المراد من الآية الشريفة : {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الاِْحْسَـنِ} (1) العدل : الإنصاف. والإحسان : التفضّل(2) .

ويقول الفيلسوف الخواجة نصير الدِّين الطوسي في شرحه لكلام أرسطو :

إنّ الحكيم الأوّل (أرسطو) قسّم العدالة إلى ثلاثة أقسام :

الأوّل : ما يكون مقتضى حقّ الله ـ تعالى ـ على الناس باعتباره واهب الخيرات، ومفيض الكرامات، بل سبب الوجود، وسبب كلّ نعمة تلحق بالوجود ، والعدالة في هذا القسم تقتضي أن يقوم العبد ببذل الجهد لرعاية حقّ المولى بقدر الوسع والطاقة.

الثاني : ما يكون مقتضى حقّ أبناء النوع على الإنسان من لزوم تعظيمالرؤساء، وأداء الأمانات، والإنصاف في المعاملات .

الثالث : العدالة في رعاية حقوق الأسلاف; من قبيل قضاء الديون، وإنفاذ الوصايا، وما عليهم من الحقوق(3) .

ونلاحظ في هذا الصدد أنّ المنادين بحقوق الإنسان بإمكانهم درك المعنى المحدود للعدالة الاجتماعيّة ، وبعد معرفة حدودها ومواردها في هذا الإطار المحدود يتحرّكون في دائرة ترجمتها على أرض الواقع العملي ، إلاّ أنّهم لا يتمكّنون من درك العدالة الاجتماعيّة بالمعنى الصحيح والواسع إطلاقاً .


(1) سورة النحل 16: 90 .
(2) نهج البلاغة للدكتور صبحي الصالح: 509 ، الحكمة 231، الدر المنثور 5: 141، روح المعاني 14: 610.
(3) اخلاق ناصري : 137 ـ 138.

صفحه 217

والحال أنّ هذا النحو من الإدراك والفهم لمتطلّبات العدالة يتوقّف قطعاً على الوحي الإلهي، والمعرفة الصحيحة لمفاهيم وعلوم القرآن والتعاليم الإلهيّة . فالعدالة الاجتماعيّة بمعناها الواسع لا يمكن معرفتها، وإدراك مدياتها القصّية إلاّ بمعونة الوحي .

هل يتسنّى لأحد معرفة حقوق الخالق ـ جلّ وعلا ـ على الإنسان، مع قطع النظر عن الوحي والتعاليم الإلهيّة ؟!

هل يتمكّن الإنسان من التوصّل إلى معرفة حقوق المذاهب، والأقلّيات الدينيّة، ومعارف الأديان من دون الاتّصال بنور الوحي ؟!

هل يستطيع أفراد البشر، وعلماء الحقوق والقانون إدراك العقوبات، والمقرّرات الجزائيّة المترتّبة على تخلّفات الإنسان في الدائرة الجزائيّة والقانونيّة، بدون الاستمداد من القرآن والسنّة ؟!

والأهمّ من ذلك كلّه ، هل يمكن معرفة حدود اختيارات الإنسان، والمساحات المسموحة لحريّته من دون الاسترفاد من هذا المنهل الإلهي الفيّاض ؟!

هل يمكن معرفة حقوق الإنسان على أبناء نوعه، من خلال الفكر المحدود والعقل الناقص للإنسان ؟!

الإنسان المعاصر عاجز حتّى من بيان ومعرفة الحقوق الابتدائيّة للوالدين على الأبناء . .

فعلى هذا يتّضح أنّ المبيّن والمعرّف لهذه العدالة الاجتماعيّة ليس سوى الوحي فحسب ، والمبيّن لهذه العدالة من أفراد البشر لابدّ أن يكون على صلة بالوحي، كالأنبياء(عليهم السلام)، أو على معرفة دقيقة به كالأئمـّة المعصومين(عليهم السلام) .


صفحه 218

وجوب تحقّق العدالة

إنّ أوّل سؤال يخطر في الذهن بعد توضيح معنى العدالة، ويدعو الإنسان إلى التفكير والتأمّل هو : ما الدليل على وجوب تحقّق مثل هذه العدالة ؟ وهل يجب إجراء العدالة بالمعنى الواسع في المجتمع ؟

وبعبارة اُخرى : أنّه قد يتصوّر أنّ هذه العدالة بمعناها الواسع; هي أمر مثاليّ لايمكن ترجمته إلى أرض الواقع العملي ، أو إذا أمكن ذلك، فيقتصر على الممارسات الفرديّة فقط، ويكون أمراً جيّداً ومحموداً ، ولكن لا دليل على وجوب تحقّق هذه العدالة على مستوى المجتمع . وخاصّة في زمن الغيبة، حيث يكون المجتمع محروماً من حضور المعصوم (عليه السلام) ; وهو العارف بالوحي واقعاً .

أدلّة وجوب تحقّق العدالة

على هذا الأساس لابدّ من ذكر أدلّة وجوب تحقّق العدالة بمعناها الواسع :

الدليل الأوّل : العقل، بمراجعة العقل السليم يتّضح أنّ العقل يرى ضرورة تحقّق مثل هذه العدالة مع توفّر المقدّمات والشروط ; لأنّ التخلّف عنها، وعدم التحرّك من أجل تنفيذها في حركة الحياة يعتبر نوعاً من الظلم ، والظلم قبيح بنظر العقل المستقلّ .

الدليل الثاني : القرآن، لقد تمّ التأكيد في موارد كثيرة من القرآن الكريم على لزوم إجراء العدالة ، بل يستفاد من الآيات الشريفة أنّ الهدف من نصب الخلفاء(عليهم السلام)، وإرسال الرسل والأنبياء(عليهم السلام) هو إجراء العدالة والحكم بالحقّ .

وفي هذا المجال نلفت النظر إلى عدّة آيات قرآنيّة تقرّر هذا المطلب :

1 ـ قوله ـ تعالى ـ : {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الاِْحْسَـنِ} (1) .


(1) سورة النحل 16: 90 .

صفحه 219

في هذه الآية الشريفة يأمر الله ـ تعالى ـ بالعدالة بشكل مطلق وكلّي ، ومن الواضح أنّ المقصود من العدل والعدالة هنا ليس هو المحدود في دائرة الاُمور الماليّة والاقتصاديّة ، بل المقصود هو العدل في جميع الاُمور ، فالعدل بمعناه الواسع هو المراد لله تعالى ، ويستفاد الوجوب من كلمة «يأمر» بصورة جيّدة .

بعض العلماء ذهب في تفسير الآية الشريفة إلى أنّ المراد بالعدل هنا: أداء الواجبات ، والمراد بالإحسان: هو الإتيان بالمستحبّات(1) ، بينما ذهب آخرون إلى أنّ العدل: هو التوحيد ، والإحسان: هو أداء الأعمال الواجبة(2) . وذهب فريق ثالث إلى أنّ العدل: هو تناغم الظاهر مع الباطن ، والإحسان: هو أن يكون باطن الشخص أفضل من ظاهره(3) .

ولكن بما أنّ الآية الشريفة لم تحدّد المراد من العدالة في أيّ من هذه المعاني المذكورة ، فيستفاد أنّ مقصود الآية هي العدالة بمعناها الواسع كما تقدّم . والملاحظة التي تستدعي التدبّر في الآية الشريفة هي : هل المستفاد من كلمة «يأمر» هوالوجوب التكليفي، أو الوجوب الإرشادي ؟

وبعبارة اُخرى : أنّ من المحتمل أن يكون الأمر الإلهي في هذه الآية الشريفة أمراً إرشاديّاً ، وخاصّة إذا أخذنا بتفسير العدل على أساس أنّه أداء الواجبات ، فمن الواضح : أنّ أداء الواجبات لا يمكن أن يكون أمراً تكليفيّاً ، بل هو أمر إرشاديّ .

وفي الجواب عن ذلك يمكن القول : بأنّ الدقّة في كلمة «يأمر» تستدعي الوجوب التكليفيّ ، ولا أقلّ من الوجوب بالمعنى الأعمّ من التكليفي والإرشادي ; يعني أنّ أحد الواجبات الشرعيّة والإلهيّة، إيجاد العدالة وتحقّقها في المجتمع


(1) التبيان في تفسير القرآن 2: 418، روض الجِنان وروح الجَنان 12: 84.
(2) جامع البيان 14 : 198، الدر المنثور 5: 140، روح المعاني 14: 609 ـ 610، مجمع البيان 6: 180.
(3) مجمع البيان 6: 180 ، روح المعاني 14: 609 ـ 610، تفسير نمونة 11: 368.

صفحه 220

البشري ، والأشخاص القادرون على امتثال هذا الأمر الإلهي، وهم لا يذعنون له يستحقّون العقاب ، ومجرّد درك العقل لوجوب إجراء العدالة لا يلازم كون الأمر بها إرشاديّاً .

والملاحظة الاُخرى في هذه الآية هي: أنّ الآية الشريفة تتضمّن تكليفاً مهمّاً للأفراد والمجتمع، وليست في مقام الإخبار .

وبعبارة اُخرى: إنّ الجملة في الآية ليست جملة إخباريّة ، بل هي في مقام الإنشاء ، أمّا الاحتمال الذي طرحه البعض في حديث: الناس مسلّطون على أموالهم(1); من أنّ هذه العبارة خبريّة، ولا دلالة لها إطلاقاً على الحكم(2) ، لا يرد في هذه الآية الشريفة .

2 ـ قوله ـ تعالى ـ : {يَـدَاوُ دُ إِنَّا جَعَلْنَـكَ خَلِيفَةً فِى الاَْرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ} (3) .

هذه الآية الشريفة التي ورد ذيلها بـ «فاء التفريعيّة» تقرّر أنّ الحكم بينالناس بالحقّ هو أحد آثار ونتائج خلافة داود (عليه السلام)  . ومن الواضح: أنّ المراد بالحقّ هنا لا يقتصر على مورد المنازعة والمخاصمة الجزئيّة ، بل يشمل هداية المجتمعوأفراد البشر إلى الحقّ والكمال، وإيجاد الأرضيّة المساعدة لتعالي الإنسان ورشده المعنوي والأخلاقي، بواسطة القوانين الإلهيّة، وتبيين كافّة الحقوق للفرد والمجتمع .

3 ـ قوله ـ تعالى ـ : {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الاَْمَـنَـتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} (4) .


(1) الخلاف 3: 176 مسألة 290، عوالي اللئالي 1: 222 ح99 وص457 ح198 وج3: 208 ح49، بحار الأنوار 2: 272 ح7.
(2) رسائل فقهيّة (تراث الشيخ الأعظم): 119، اوثق الوسائل في شرح الرسائل: 422ـ423.
(3) سورة ص 38: 26 .
(4) سورة النساء 4: 58 .

صفحه 221

ويستفاد من هذه الآية الشريفة أنّ الحكم بالعدل بين الناس واجب، كما هو الحال في وجوب ردّ الأمانة إلى أهلها ، ويمكن أن يستشكل البعض بأنّ الحكم بالعدل في هذه الآية غير مطلق ، بل مقيّد بحدوث المنازعة بين الناس .

ولكن يمكن الجواب عن ذلك بأنّ كلمة الحكم بالعدل مطلقة ; أي كما أنّه شاملة لحكم القضاة ، كذلك شاملة لحكم الولاة والحكّام أيضاً، كما ذهب إلى ذلك بعض المفسِّرين صراحةً(1) . وعلى هذا ليس الحكم بالعدل مقيّداً بحدوث النزاع ، بل هو عنوان كلّي لبيان أنّ مطلوب الشارع المقدّس هو الحكم بالعدل بين الناس في المجتمع الإسلامي ، وبعبارة اُخرى: إنّ الحكم بالعدل في هذه الآية هو ما تقدّم في الآية السابقة من الحكم بالحقّ .

4 ـ قوله ـ تعالى ـ : {يَـأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُونُوا قَوَّ مِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَ لِدَيْنِ وَالاَْقْرَبِينَ} (2) .

في هذه الآية الشريفة يأمر الله ـ تعالى ـ المؤمنين بالقيام لتحقّق القسط والعدل .

كلمة «قوّامين» جمع «قوّام» (صيغة مبالغة) تدلّ على التأكيد ; يعني قوموا كراراً لتحقّق هذا الأمر ، أو تدلّ على أنّ الإتيان بهذه الفريضة مهمّ في كلّ عصر وزمان ، وفي مختلف الظروف والأحوال .

وعلى هذا ، فالآية الشريفة تدلّ بوضوح على أصل وجوب القيام بالقسطوالعدل . ولكن هل أنّ القائم بذلك في البداية هم أفراد المجتمع ، أو الأنبياء والأئـمّة(عليهم السلام)، والفقهاء (قدس سرهم) ، بحيث يترتّب على بيان العدالة بواسطة الأفراد قيام المجتمع بالقسط ؟ فذلك بحث آخر سيأتي توضيحه .


(1) الميزان في تفسير القرآن 4 : 378.
(2) سورة النساء 4: 135 .

صفحه 222

الدليل الثالث ، الروايات: لقد ورد تقرير مسألة العدل بالمعنى المذكور والتأكيد عليه في الروايات الواردة عن أهل البيت(عليهم السلام) ، وفي نظرة سريعة يمكننا استخراج عناوين مهمّة منها لتقرير هذا المطلب :

الأوّل: أنّ العدل وإقامة القسط يمثِّل أساس الدِّين إلى جانب التوحيد . وقد ورد بهذا المعنى أحاديث متعدّدة، منها : قوله (عليه السلام) : إنّ أساس الدِّين التوحيد والعدل(1) .

وعلى هذا الأساس لو لم تؤخذ العدالة بنظر الاعتبار، أو لم يتمّ إيجادها في المجتمع ، فالدّين سوف يفقد رصيده على مستوى التواجد، والحضور في الساحة الاجتماعيّة ، وتحقّق الدِّين وحضوره في المجتمع مبتن على أساس التوحيد والعدل .

وهذا; يعني أنّ الحكومة الدينيّة إذا استطاعت إقامة العدل في المجتمع ، أمكنها أن تدّعي أنّ الدِّين قائم ومتحقّق في المجتمع .

الثاني: أنّ الحكمة الأساسيّة للولاية والإمامة هي إيجاد العدل والقسط بين الناس ، فقد ورد في بعض الروايات قوله (عليه السلام)  : إنّما يراد من الإمام قسطه وعدله(2) .

فهذا الحديث الشريف يحصر الهدف من الإمامة والولاية في إقامة القسط والعدل . ومن الواضح: أنّ المراد من العدل هذا هو جميع أبعاده ، وإلاّ فإنّ إيجاد العدالة في موارد محدودة ممكن لغير الإمام (عليه السلام) أيضاً ، أمّا ما لا يقدر عليه سوى الإمام (عليه السلام) ، فهو تحقّق العدالة بالمعنى الواسع المذكور سابقاً .

الثالث: أنّ الأساس في ولاية الوالي العادل هي إقامة الحقّ وإبطال الباطل ، حيث نقرأ في بعض الروايات قوله (عليه السلام)  : إنّ في ولاية والي العدل . . . إحياء كلّ حقّ وكلّ عدل(3) .


(1) التوحيد: 96 ح1، معاني الأخبار: 11 ح2، وعنهما بحار الأنوار 4: 264 ح13 وج5: 17 ح23.
(2) الدرة الباهرة من الأصداف الطاهرة: 37، وعنه بحار الأنوار 10: 351 ح11.
(3) تحف العقول: 332، وعنه بحار الأنوار 75: 347 ح49.

صفحه 223

وما هو جدير بالتأمّل في هذه العبارة هو جملة «إحياء كلّ حقّ» بصيغة القضيّة العامّة، حيث يتمّ إحياء كلّ حقّ وعدل ببركة ولاية العادل .

ويمكن أن يتوهّم أنّ كلمة «في» في هذه الرواية تدلّ دلالة واضحة على أنّ إقامة الحقّ، وحراسة الحقوق لجميع الأفراد، وإيجاد العدل بجميع معانيه، هي أحد شؤون الولاية والإمامة . وهذا ـ يعني إيجاد العدالة ـ لا يعتبر علّة تامّة لتحقّق ومشروعيّة الإمامة .

وفي مقام الجواب يجب القول أوّلاً : إنّه يحتمل قويّاً كون كلمة «في» الواردة في هذه الرواية بمعنى «الباء»; أي أنّ هذا الأمر يتحقّق ببركة ولاية والي العدل .

وثانياً : على فرض أنّ «في» تدلّ على الظرفيّة في هذه العبارة ، إلاّ أنّه لاملازمة بين وجوب إجراء العدالة، وبين كونها واقعة في سلسلة المعاليل للإمامة . بل هي في سلسلة العلل للإمامة ، والولاية تعتبر غاية لها .

الرابع: الفرق الأساسي بين الولاية المباحة، والولاية المحرّمة كامن في هذا الأمر ، فنرى أنّ بعض الروايات تقرّر هذا المعنى بقوله (عليه السلام)  : فوجه الحلال من الولاية ، ولاية الوالي العادل(1) .

الخامس: أنّ المجتمع الذي يقع مورد رضا الله ـ تعالى ـ هو المجتمع الذي تُقام فيه العدالة بقوله (عليه السلام)  : علامة رضا الله . . . عدل سلطانهم(2) .

السادس: تفضيل ساعة واحدة من العدل على سبعين سنة عبادة بقوله (عليه السلام)  :

عدل ساعة خيرٌ من عبادة سبعين سنة(3) .

وينبغي التدبّر لمعرفة الحكمة في كون ساعة واحدة من العدل أفضل من سبعين سنة من العبادة ، ومن الواضح عدم وجود خصوصيّة لذكر رقم سبعين


(1) تحف العقول: 332، وعنه بحار الأنوار 75: 347 ح49.
(2) تحف العقول: 40، وعنه بحار الأنوار 77: 145 ح36.
(3) جامع الأخبار: 327 ح918، وعنه بحار الأنوار 75: 352 ح61.

صفحه 224

سوى دلالته على أهمّية المطلب وعظمة مرتبة العدالة . وتتّضح حقيقة وكُنه هذا المطلب أكثر فيما لو ضممنا إليه الروايات التي تدلّ على عدم قبول العبادة من دون الولاية، حيث ورد التصريح في قوله (عليه السلام)  : ولم يناد بشيء كما نودي بالولاية(1) .

وهناك إشارة في بعض الروايات إلى جهات اُخر من المسألة، حيث يمكن بيانها بشكل إجماليّ من قولهم(عليهم السلام) : إنّ لمحمّد (صلى الله عليه وآله) اثني عشر إماماً عدلاً(2) .

فقد ورد في هذه الرواية وصف أوصياء النبيّ (صلى الله عليه وآله) بالعدالة، حيث يتّضح أنّ الهدف من وصايتهم(عليهم السلام) هو تحقّق العدالة في المجتمع .

وبعبارة اُخرى: إنّ من المعلوم أنّ المقصود من وصف الأئـمّة(عليهم السلام) بالعدالة ليس بيان للملكة النفسانيّة ; لأنّه مع وجود العصمة لا يبقى معنى لوصف العدالة ، إذن فالمقصود من العدالة هو ذلك المعنى الواسع الذي ينحصر تحقّقه وإيجاده بهذه الفئة من الناس .

وهناك روايات كثيرة وردت في صدد ظهور الإمام المهدي (عليه السلام) ، ولعلّه يمكن القول بالتواتر المعنوي ، بل التواتر اللفظي فيها، حيث يمكن الاستفادة منها في موضوعنا من قولهم(عليهم السلام) : يملأ الله به الأرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً(3).

وهذا ـ يعني أنّ الأساس في حكومة الإمام المهدي (عليه السلام) العالميّة ـ تتمثّل في تحقّق القسط والعدل في المجتمع البشري .

النتيجة هي: أنّ تحقّق العدالة في نظر العقل والقرآن والروايات ، أمرٌ ضروريّ


(1) المحاسن 1: 445 ح1033، الكافي 2: 18 ح1 ، وص21 ح8 ، وعنهما وسائل الشيعة 1: 18، كتاب الطهارة، أبواب مقدّمة العبادات ب1 ح10.
(2) مقتضب الأثر: 16، وعنه بحار الأنوار 36: 221 ح20 وعوالم العلوم والمعارف والأحوال 15 / 3: 83 ب3 قطعة من ح1.
(3) بحار الأنوار 36: 203 ـ 416 عدّة أحاديث، وج51: 66 ـ 161 ب1 ـ 10.

صفحه 225

وواجب ، ويستفاد من مجموع الروايات أنّ أساس الإمامة يقوم على مسألة إيجادالعدالة في المجتمع البشري، لا إيجاد الرابطة العاطفيّة والمحبّة بين الإمام (عليه السلام) وأفراد البشر، رغم أنّ هذه الغاية الأخيرة تمثِّل أحد الاُمور المطلوبة في الشريعة .

إنّ الاعتقاد بالإمامة بمعناه الدقيق; يعني الاعتقاد بوجود شخص قادر على القيام بالعدل بين الناس، وإنقاذ المجتمع من كلّ أشكال التلوّث والانحطاط .

وأنّ الاعتقاد بالإمامة بمعناه الصحيح لا ينحصر في الاعتقاد القلبي بوصيّة النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله) بخلافة الإمام (عليه السلام) من بعده، وحبّه والبراءة من أعدائه .

إنّ أكثر الروايات التي ورد فيها لفظ «الإمام» وردت إلى جانبه كلمة «العدل» بعنوان صفة، وخصوصيّة مهمّة وأساسيّة وغاية قصوى للإمامة ، ولذلك قال الإمام الخميني (قدس سره)  : إنّ الهدف والغاية من الإمامة هي العدالة(1) .

المنفِّذون للعدالة في المجتمع

يتّضح من مجمل المطالب السالفة أنّ تحقّق العدالة أمر واجب على النبيّ (صلى الله عليه وآله) وأوصيائه(عليهم السلام) . والإمامة بدون إجراء العدالة لم تكن يوماً مقصودة للشارع المقدّس .

أمّا ما نحن بصدد بحثه في هذا القسم، ولعلّه يمثِّل العمدة في هذا الموضوع هو : هل يختصّ وجوب إجراء العدالة بالنبيّ (صلى الله عليه وآله) وأوصيائه المعصومين(عليهم السلام) . أو يمتدّ ليشمل الفقيه الجامع للشرائط ؟

يستفاد من الآيات الشريفة التي تمّ الاستدلال بها آنفاً أنّ وجوب إجراءالعدالة لا يختصّ بالنبيّ (صلى الله عليه وآله) أو أوصيائه(عليهم السلام) ، بل يشمل أشخاصاً آخرين أيضاً ، وهؤلاء الأشخاص ـ كما تقدّم سابقاً(2) ـ ليسوا سوى الفقهاء الجامعين للشرائط،


(1) راجع صحيفه امام (رحمه الله) 12: 280 و ج14: 472.
(2) في ص213 .

صفحه 226

حيث لا يوجد سواهم من لديه رابطة مع القرآن، وتعاليم النبيّ (صلى الله عليه وآله) والأئـمّة(عليهم السلام)على أساس التخصّص في هذا الأمر .

وهنا لابدّ من الأخذ بنظر الاعتبار الروايات التي تقرّر خلافة العلماء الأئـمّة المعصومين والأنبياء(عليهم السلام) .

وهذه الروايات ـ من قبيل: العلماء ورثة الأنبياء(1)، أو العلماء اُمناء الرُّسل(2)، أو  روايات اُخر في هذا الباب(3) ـ تدلّ دلالة واضحة على خلافة العلماء للأئـمّة المعصومين والأنبياء(عليهم السلام) ، إلاّ أنّ النقطة المهمّة هنا هي جهة التنزيل ، فهل جهة التنزيل هي أنّ العلماء اُمناء الرسل في بيان أحكام الدِّين وتبليغ الرسالة ، أو أنّ الوراثة والأمانة تتمثّل في الجهة الأصليّة والعمدة في المنزل عليه ؟

من الواضح أنّ الاحتمال الأوّل غير مقبول إطلاقاً ; لأنّ مجرّد بيان الأحكام وتبليغ الرسالة قد يتحقّق أحياناً من غير العلماء ، فلا حاجة لتنزيل العلماء منزلة الأنبياء(عليهم السلام) من هذه الجهة ، وعلى هذا الأساس فالاحتمال الثاني هو المتعيّن ، وهو: أنّ التنزيل يقصد به تلك الجهة الأصليّة للأنبياء والمرسلين(عليهم السلام) ، وهي إقامة العدل والقسط بمعناه الواسع والدقيق .

وفي هذا الصدد نذكر ما ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، حيث قال : اللّهم ارحم خلفائي ـ ثلاث مرّات ـ فقيل له : يارسول الله مَنْ خلفاؤك ؟ قال : الذين يأتون من بعدي، ويروون عنّي أحاديثي وسنّتي، فيعلّمونها الناس من بعدي(4) .

ومن الواضح: أنّ المراد من «خلفاء الرسول (صلى الله عليه وآله) » لا يتعيّن بالأئمـّة


(1، 2) تقدّمتا في ص212.
(3) وسائل الشيعة 27 : 77 ـ 105 ، كتاب القضاء ، أبواب صفات القاضي ب 8 .
(4) عيون أخبار الرضا (قدس سره) 2: 37 ح94، معاني الأخبار: 374 ح1، وعنهما وسائل الشيعة 27: 92 كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي ب8 ح53.

صفحه 227

المعصومين(عليهم السلام) ; لأنّ شأنهم أعلى من كونهم «يروون عنّي أحاديثي»، فعلى هذايستفاد من الرواية أنّ الفقهاء خلفاء النبيّ (صلى الله عليه وآله) ومنزّلون منزلة النبيّ (صلى الله عليه وآله)  ، إلاّ أنّه لاينبغي توهّم أنّ هذه الرواية تقرّر خلافة الفقهاء للنبيّ (صلى الله عليه وآله) ; من جهة بيان الأحاديث وسنّة النبيّ (صلى الله عليه وآله) فحسب . وبالتالي لا تدلّ على ولايتهم ; لأنّ التعبير بجملة «الذين يروون عنّي» لها حيثيّة تعليليّة للخلافة ، لا حيثيّة تقييديّة ، والخلط بين هاتين الجهتين هو السبب في هذا التوهّم .

وبعبارة اُخرى: إنّ مرجع هذا التعبير هو مرجع التعبير الوارد في مقبولة عمر  بن حنظلة في قوله (عليه السلام)  : ينظران من كان منكم ممّن قد روى حديثنا، ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا(1).

إنّ المعرفة بالأحكام، بل جميع الأحكام تختلف كثيراً عن عنوان المبيّن للأحكام ، إلاّ أنّ الإنصاف أنّ المنظور من كلمة «الخلفاء» في هذه الرواية يقتصر على الأئـمّة المعصومين(عليهم السلام)، ولا يشمل الفقهاء .

والشاهد على هذا المطلب أمران رغم وجود قرائن اُخر أيضاً :

الأوّل: كلمة «عنّي» تدلّ على أنّ الخلفاء هم الأشخاص الذين يروون الأحاديث عن النبيّ نفسه (صلى الله عليه وآله)  ، في حين أنّ الفقهاء يفتقدون هذه السمة، كما هو واضح .

الثاني: نظراً لما ورد في بعض الروايات عن أهل البيت(عليهم السلام) بهذا المضمون : إنّ جميع ما نقوله هو عن آبائنا، عن أمير المؤمنين(عليهم السلام)، عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، يتّضح أنّ كلام النبيّ (صلى الله عليه وآله) الوارد في الرواية ينحصر في الأئـمّة المعصومين(عليهم السلام) . ونكتفي في هذا الصدد بذكر رواية عن اُصول الكافي :

عن هشام بن سالم وحمّاد بن عثمان وغيره قالوا : سمعنا أبا عبدالله (عليه السلام) يقول :


(1) تقدّمت في ص212.

صفحه 228

حديثي حديث أبي ، وحديث أبي حديث جدّي ، وحديث جدّي حديث الحسين (عليه السلام)  ، وحديث الحسين حديث الحسن (عليهما السلام)  ، وحديث الحسن حديثأميرالمؤمنين (عليهما السلام)  ، وحديث أمير المؤمنين (عليه السلام) حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله)  ، وحديث رسول الله (صلى الله عليه وآله) قول الله عزّوجلّ(1).

النتيجة هي: أنّ هذه الرواية بالرغم من أنّ الإمام الخميني (قدس سره) (2) يرى شموليّتها للفقهاء، إلاّ أنّه في نظري القاصر غير شاملة للفقهاء إطلاقاً ، بل تختصّ بالأئـمّة المعصومين(عليهم السلام) .

وفي هذا البحث لا نجد حاجة للتمسّك بإطلاق هذه الروايات ليرد إشكال أنّ هذه الروايات ليست في مقام البيان; من جهة أنّ الفقيه يمكنه تشكيل الحكومة كالإمام المعصوم (عليه السلام)  ، بل نتمسّك بهذه الروايات في أصل التنزيل فحسب .

ويستفاد جدّاً من هذه الروايات أنّ العلماء والفقهاء منزّلون منزلة الأنبياء والأئمـّة(عليهم السلام) في أصل المعرفة بالدِّين والأحكام الإلهيّة ، ويكفي هذا الميزان في المقام ; لأنّ هذه المسألة ـ وهي: كون إجراء العدالة واجباً على النبيّ (صلى الله عليه وآله) والإمام المعصوم (عليه السلام) ـ واضحة ، كماثبت من خلال هذه الروايات; أنّ الفقيه الجامع للشرائط بسبب ارتباطه بالقرآن والسنّة، ومعرفته بالعدالة ـ بمعناها الدقيق ـ خليفتهم ، وحينئذ تكون النتيجة بأنّ إجراء العدالة واجب على الفقيه الجامع للشرائط .

وعلى هذا فلو تمكّن الفقيه الجامع للشرائط من إجراء العدالة علىمستوى الواقع العملي من خلال تشكيل الحكومة ، وجب عليه السعي لتشكيل الحكومة ، وإلاّ وجب عليه القيام بالعدل والقسط بين الناس في إطار قدرته على ذلك .


(1) الكافي 1: 53 ح14 ، وعنه وسائل الشيعة 27: 83 ، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي ب8 ح26.
(2) كتاب البيع للإمام الخميني (قدس سره) 2: 629.

صفحه 229

الإجابة على إشكالات ثلاث

الإشكال الأوّل : إذا قيل: إنّ الآية الشريفة : {يَـأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُونُوا قَوَّ مِينَ بِالْقِسْطِ} (1) تدلّ على أنّ وجوب القيام بالقسط غير منحصر بفئة خاصّة من الناس، كالأنبياء أو الأئـمّة المعصومين(عليهم السلام)، أو الفقهاء ، بل يستوعب جميع المؤمنين، حيث يجب عليهم القيام بالقسط ، وبالتالي، إذا استطاع بعض المؤمنين من نيل الزعامة الظاهريّة، والتصدّي للحكومة والقيام بالقسط بين الناس ; فحكومتهم حينئذ تكون معتبرة ومشروعة، وليست غير إلهيّة ، وعلى هذا الأساس لا تختصّ الحكومة والولاية بالفقيه في زمن غيبة المعصوم (عليه السلام)  .

وفي الجواب ينبغي أن يُقال :

أوّلاً : أنّ القيام بالقسط من قبل عموم الناس لا يتسنّى إلاّ في صورة بيان حدود وماهيّة القسط بصورة كاملة .

وبعبارة أُخرى : يجب على الناس القيام بالقسط بعد بيان معنى القسط والعدل بالنحو المعتبر والدليل الشرعيّ .

وثانياً : نحن نعلم بأنّ نوع البشر غير قادر على القيام بالقسط بالمعنى الواقعي للكلمة ، بل يمكنهم الإتيان بهذه الوظيفة في حدود معيّنة ، ولذلك طلب الشارع المقدّس من الناس في هذه الآية الشريفة، القيام بالقسط في تلك الدائرة المعيّنة الممكنة لهم ، وهذا المعنى لا يتنافى مع وجوب القيام بالقسط بمعناه الواسع على من له معرفة حقيقيّة بالوحي .

وبعبارة أُخرى : إنّ إثبات وجوب القيام بالقسط على النوع من أفراد البشر لا يدلّ على نفي هذا التكليف عن الأنبياء وأوصيائهم(عليهم السلام) .


(1) سورة النساء 4: 135.

صفحه 230

الإشكال الثاني : قوله ـ تعالى ـ : {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَـتِ وَ أَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَـبَ وَ الْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} (1) .

حيث يستفاد من هذه الآية الشريفة أنّ القائم بالقسط هم الناس أنفسهم ، وقد ذكر الدكتور مهدي الحائري (قدس سره) في ذيل الآية الشريفة أنّ الآية فوّضت إلى الناس القيام بالقسط، وتحقيق العدالة، والنظم الاجتماعي . ولم تر أنّ مسؤوليّة إجراء وتنفيذ هذا الأمر يتناسب شأن الأنبياء(عليهم السلام) ومقامهم الرفيع(2) .

وفي مقام الجواب لابدّ من القول :

العجب من هذا المفكِّر أنّه توجّه إلى جملة (لِيَقُومَ النَّاسُ) ولم يتأمّل بما قبلها بصورة وافية، حيث تقرّر الآية أنّ إرسال الرسل وإنزال الكتب عبارة عن طريق ومقدّمة لقيام الناس بالقسط .

هل يتمكّن الناس مع قطع النظر عن الأنبياء(عليهم السلام) والكتب السماويّة، من القيام بالقسط ؟

إنّ مدّعى هذا العالم هو: أنّ الناس يجب عليهم تشكيل الحكومة والتصدّي للقيام بالقسط ، في حين أنّ الناس طبقاً للآية الشريفة لا يتمكّنون من القيام بالقسط بدون الارتباط مع الأنبياء(عليهم السلام) والكتب السماويّة . وحينئذ فمن باب كلّ ما بالعرض لابدّ أن يرجع إلى ما بالذات، يستفاد ضرورة أن يكون الأنبياء والأولياء الإلهيّين(عليهم السلام) هم السابقون للقيام بالقسط .

وفي مقام توضيح الجواب أكثر نقول :

أساساً لا يصحّ أن نقول: من جهة بأنّ للفقيه مسؤوليّة بيان الأحكام


(1) سورة الحديد 57 : 25.
(2) حكمت وحكومت: 140 .

الصفحة الرئيسية   
السيرة  
المؤلفات  
الدروس  
لقاءات صحفية  
محفظة الصور  
الذکريات  
اتصلوا بنا  
المواقع التابعة