الدرس الأول
مقدمة:
تقرر أن نقوم إن شاء الله تعالى بدراسة بحث الاجتهاد والتقليد كما ورد في متن كتاب «تحرير الوسيلة»:
الخلفية التاريخية للبحث:
يُبحث هذا الموضوع عادة في خاتمة مباحث علم الاُصول ضمن مبحث التعادل والتراجح، وهناك تذكر كليات البحث من قبيل: هل هناك مشروعية للاجتهاد أساساً؟ وتذكر شبهات الأخباريين ويُرد عليها، وكذلك، هل يمكن التجزي في الاجتهاد؟ وأمثال ذلك.
ولكن في العصور المتأخرة أصبح من المتداول أن تذكر بعض فروعات مسألة الاجتهاد والتقليد بعنوان مقدمة لبحث الفقه، ولذلك فعندما نقرأ كتب المتقدمين كالشرايع مثلاً لا نجد فيها هذا البحث، ولكن بعض المتأخرين كصاحب العروة بحث فروعات هذا الموضوع في العروة، وقد سار على ذلك الإمام الراحل (قدس سره) في تحرير الوسيلة، ويمكن القول بأنّ بحث هذا الموضوع في علم الاُصول وبحثه في الفقه بينهما عموم وخصوص من وجه، فهناك سلسلة من البحوث من قبيل مسألة جواز تقليد الميت أو وجوب تقليد الأعلم بحثت في كلا العلمين، وهناك بحوث اُخرى مثل شرائط المجتهد والمقلد بحثت في الفقه ولم تبحث في الاُصول.
صفحه 7
المقدمة الثانية:
ومما ينبغي توضيحه أيضاً هو: هل أنّ هذه المسألة من المسائل الاُصولية أو الفقهية؟
الجواب: من جهة يمكن القول بأنّ بحث الاجتهاد والتقليد هو من المسائل الفقهية، لأنّ الفقه هو عبارة عن «العلم الذي يبيّن أحكام أفعال المكلّفين» وبهذا تكون هذه المسألة داخلة في هذا التعريف، أمّا بحثها في علم الاُصول فهي لم تبحث هناك في مسائل علم الاُصول، بل ذكرها العلماء هناك بعنوان الخاتمة، لأنّ تعريف علم الاُصول لا ينطبق على هذا البحث حيث يقال في تعريفه: «كل ما يقع في طريق الاستنباط الحكم الشرعي» ومعلوم أنّ مسألة: هل أنّ الاجتهاد مشروع أو لا؟ ليست قضية وقاعدة كلية للاستنباط، وبذلك يمكن القول بأنّ بحث فروعات هذه المسألة يتناسب أكثر مع الفقه.
ملاحظة: ولابدّ من التنبيه على هذه الملاحظة قبل الورود في أصل البحث، وهي ضرورة مراجعة الاخوة في هذا البحث لكتاب العروة الوثقى وشروحها كشرح السيد الخوئي والسيد الحكيم (قدس سرهما) ، فهذان الشرحان سيكونان محور أبحاثنا، وكذلك شرح تحرير الوسيلة لوالدنا المعظم والذي يسمى «تفصيل الشريعة في شرح تحرير الوسيلة».
أصل البحث:
«اعلم أنّه يجب على كل مكلّف غير بالغ مرتبة الاجتهاد في غير الضروريات من عبادته ومعاملاته ولو بالمستحبات والمباحات، أن يكون إمّا مقلِّداً أو محتاطاً بشرط أن يعرف موارد الاحتياط ولا يعرف ذلك إلاّ قليل، فعمل العامي غير العارف بمواضع الاحتياط من غير تقليد باطل».
صفحه 8
المطلب الأول:
إنّ أول ما يذكره الفقهاء في هذا البحث هو قولهم: يجب على كل مكلّف أن يكون إمّا مقلِّداً أو محتاطاً أو مجتهداً، والسؤال هو: من أي أنواع الوجوب هذا؟
الجواب: هنا يوجد ثلاثة احتمالات:
1 ـ إنّ هذا الوجوب فطري لدفع الضرر الاُخروي.
2 ـ إنّه وجوب عقلي محض كما ذهب إلى ذلك الكثير من الأعاظم.
3 ـ أن يكون هذا الوجوب وجوباً شرعياً.
نظر السيد الحكيم (قدس سره):
إنّ أول ما يطالعنا في هذا الصدد هو رأي السيد الحكيم (قدس سره) في المستمسك حيث ذهب إلى أنّ هذا الوجوب فطري وعقلي في نفس الوقت.
الدليل: لقد فرّق السيد الحكيم هنا بين ملاك الوجوب العقلي والوجوب الفطري، وقال بأنّ الوجوب الفطري ملاكه دفع الضرر المحتمل، فعليه أن يختار أحد هذه الصور الثلاثة لدفعه، أمّا ملاك الوجوب العقلي فهو وجوب شكر المنعم، فهذه القاعدة العقلية توجب علينا اختيار أحد الطرق الثلاثة في إطاعة أمر المولى.
المناقشة:
ولكن الدقة في هذا المطلب توحي لنا باشتراك الملاكين المذكورين وكونهما ملاكاً لحكم العقل، فليس لدينا وجوب باسم الوجوب الفطري، لأنّ الحاكم إمّا الشرع أو العقل، ولكن في المنطق هناك قضايا باسم قضايا فطرية لا تدخل في بحثنا هذا، وأمّا أن تكون الفطرة حجّة كما هو في قولنا: الشرع حجّة، والعقل حجّة،
صفحه 9
فلا يوجد شيء في الفقه يؤيد هذا المعنى، ولذا ورد في الرواية عن الإمام موسى بن جعفر الكاظم(عليه السلام):
«إنّ لله على الناس حجّتين حجّة ظاهرة وحجّة باطنة، فأمّا الظاهرة فالرسل والأنبياء والأئمة ـ عليهم السلام ـ ، وأمّا الباطنة العقول»(1).
والشاهد على ذلك هو ما ذكره السيد الحكيم (قدس سره) نفسه من ملاك الحكم الفطري حيث أورده الآخرون بعنوان الملاك لحكم العقل، فعقل الإنسان كما يحكم بوجوب شكر المنعم، يحكم كذلك بوجوب دفع الضرر المحتمل.
والسؤال المهم هو: هل أنّ هذا الوجوب عقلي؟
الكثير من الأعاظم يرونه كذلك، أي أنّ العقل يوجب علينا أن نختار أحد الاطراف الثلاث المذكورة في إمتثال الأوامر الإلهية.
الدليل: نحن نعلم بوجود سلسلة واجبات ومحرمات وتكاليف شرعية بالعلم الإجمالي، والعقل يحكم بأننا لو تركنا هذه التكاليف بدون مبرر فنحن نستحق العقاب، ولذلك ينبغي أن يكون لدينا مؤمّن من هذا العقاب الإلهي، وينحصر المؤمّن بهذه الطرق الثلاث، فالمجتهد تارة يدرك أنّ بعض الأحكام ضرورية، واُخرى يسلك في ذلك مسلك الإمارات والاُصول العملية التي حصل له القطع بحجيتها، فيكون عمله مستنداً إلى الحجة، ولذلك يكون المجتهد قاطعاً دائماً، وبذلك يكون لديه مؤمّن من العذاب.
وأمّا المقلِّد الذي يعمل بفتوى المجتهد فانّ عمله ينتهي إلى القطع أيضاً.
وأمّا المحتاط فرغم أنّه ليس على يقين من الحكم الشرعي، ولكنه على يقين من إمتثاله.
النتيجة: إنّ الوجوب هنا وجوب تخييري عقلي.
1 ـ اصول الكافي، ج1، ص16.
صفحه 10
قد يقال: بأنّ العقل لا يدرك معنى الاجتهاد والتقليد.
فنقول: إنّ العقل بشكل عام يحكم بأنّ عليك تحصيل المؤمّن القطعي، ولكننا لدى البحث في الطرق لتحصيل هذا المؤمّن وجدنا أنّه ينحصر بأحد هذه الطرق الثلاثة.