|
|||||||||||||||||||||
|
عناوين الرسائل * رسالة في التقيّة صفحه 5 بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا ونبيّنا أبي القاسم محمّد وآله الطيّبين الطاهرين. أمّا بعد ، لا شكّ في أنّ علم الفقه من أشرف العلوم موضوعاً وغاية، ومن أدقّها وأكملها اُصولاً وبنياناً، ومن أوسعها وأشملها دائرةً وشمولاً لجميع أبعاد الحياة البشريّة الفرديّة والاجتماعيّة، السياسيّة والحكوميّة، ومن أجل ذلك تتوسّع دائرة موضوعاته، وفي ظلّ التحقيق عن العناوين المهمّة الموجودة فيه تنكشف فوائد ودرر جديدة، وقواعد عظيمة، وضوابط محكمة بحيث يحتاج كلّ واحد منها إلى بسط القول مستقلاًّ ومنفرداً، حتّى يلزم تدوين رسالة مستقلّة يذكر فيها الجذور الأصليّة والعناوين المرتبطة بالموضوع، ويظهر استقصاء الفروع المتشعّبة عنها. والمجموعة التي بين أيديكم هي الطبعة الثانية التي تحتوي على الرسائل المتعدّدة في الموضوعات الفقهيّة والاُصوليّة، كتبت بعضها بمناسبة انعقاد المؤتمرات العالميّة المرتبطة بالمباحث الفقهيّة، وذلك أيّام اشتغالي بالتدريس وإدارة الاُمور المرتبطة بمكتب وا لدنا الراحل سماحة المرجع الديني الأعل.
فنحمد الله الذي أحكم قواعد الدِّين بمساعي المجتهدين، وشيّد أركانه بهداية المؤمنين إلى صفحه 6 أحكام الدِّين، وجعل الفقه ضامناً لسعادة العالمين والمتديّنين. وهذه الأيّام التي تصادف ارتحال زعيم الحوزات العلميّة، والمرجع العامّ للطائفة، الذي كان لفقدانه ثلمة عظيمة وخسارة كبيرة، قد بكت فيها المراجع والفقهاء، وضجّ الفضلاء وطلبة الحوزات والناس في تشييع جثمانه الشريف، فلطموا الرؤوس ولبسوا السواد وعطّلت البلاد، كأنّهم فقدوا أباهم، وصرّح كثير منهم بأنّ هذا اليوم أشدّ علينا من يوم فقد أبينا، فقد أحسسنا بخروج الروح من قلوبنا، والنور من أبصارنا، والطاقة من أبداننا، وقد انعقدت له المحافل العظيمة الكثيرة داخل البلاد وخارجها حتّى أربعينيّته. كان قدّس سرّه الشريف من أعاظم أساتذة الحوزة العلميّة وأساطينها، ومن مميّزاته اهتمام الشديد في تربية الفقهاء والمجتهدين، وتحكيم مباني الفقه والأحكام، ولأجل هذا قد أسّس مركزاً عظيماً للتربية وتخريج الفضلاء في الفقه والاُصول، سمّـاه (قدس سره) بـ «مركز فقه الأئمّة الأطهار(عليهم السلام)». وهذا اليوم قد مضى من عمر المركز بما يقرب من عشر سنوات، ربّيت فيه أعلام الفضلاء، وجهابذة العلم، وانتشرت من خلاله الرسائل الدقيقة حول الموضوعات المتنوّعة، سيّما المباحث المستحدثة ، سائلين الله تبارك وتعالى أن يتقبّل هذا العمل المبارك من وا لدنا المعظّم الراحل، ويجعله ذخراً كبيراً له ولنا يوم الحساب، وأن يوفّقنا لحفظه وإبقائه تحت رعاية وليّه الأعظم إمام العصر عجّل الله تعالى فرجه الشريف. وفي الختام نتقدّم بالشكر والتقدير للمحقّقين في هذا المركز، الذين وقفوا على مراجعة هذا السفر، وحقّقوا فيه مجدّداً، وأخرجوا مصادره، ونخصّ بالذكر مدير المركز حجّة الإسلام والمسلمين الشيخ محمّد رضا الكاشاني، وحجّة الإسلام والمسلمين الشيخ عبادالله سرشار الطهراني الميانجي وحجّة الإسلام والمسلمين الشيخ المهدوي دامت توفيقاتهم، واُهدي ثواب هذا الكتاب ـ إن كان له أجر ـ إلى روح الوالد الشريف، فقد كان له عليَّ حقّاً عظيماً، وكانت حياتي العلميّة مدينة له; وإن لم أقدر على شكر عُشر من أعشار ألطافه عليَّ، نطلب من الله تبارك وتعالى أن يجعله نوراً باقياً في أفكار المتفكّرين، وسراجاً دائماً للفضلاء والمجتهدين إن شاء الله تعالى ربّ العالمين. محمّد جواد الفاضل اللنكراني صفحه 7 رسالة في الـتقيـّة وقد ألّفت في سنة 1415 هـ . ق بمناسبة المؤتمر العالمي صفحه 8 صفحه 9 بسم الله الرحمن الرحيم المقدّمة : مسألة التقيّة من المباحث المهمّة القرآنيّة التي تُعدّ من القواعد الفقهيّة ، وتتفرّع عليها فروع كثيرة; وهي التي تعرف بها الإماميّة، وصارت دثارهم وشعارهم من جانب ، مع أنّها من ناحية اُخرى كانت وسيلة للتشنيع عليهم ، وحيث إنّه لم يستوفِ البحث عنها في كتب القوم، وعن موارد جريانها وأقسامها وأنواعها إلاّ في كلمات الشيخ الأعظم، وبعض مَن تأخّر عنه ، كان اللازم البحث عنها وعن الاُمور المرتبطة بها . والسبب الوحيد لتشنيع العامّة وعلمائهم على الإماميّة ، هو عدم الاطّلاع عن حقيقتها، وعدم الوصول إلى قمّتها ، كما أنّ هذه هي العلّة الأساسيّة لسائر المباحث الاختلافيّة بيننا وبينهم ، فالواجب التدبّر فيها حقّ التدبّر . والعجب أنّ علماء العامّة لم يصلوا إلى حقيقتها، وسمعوا من هذا البحث الدقيق ماهو المشهور بين العوامّ منهم ، فهجموا علينا هجمة جهل وعناد، من دون مراجعة صفحه 10 كتبنا الفقهيّة الاستدلاليّة ، فقال بعض(1) منهم: إنّها مساوقة للكذب ، وذهب بعض(2) آخر إلى أنّها مساوقة للنفاق ، وكيف يكون كذباً ونفاقاً والقرآن الكريم ينادي بمشروعيّتها، ويحكي عن استعمالها عند الأنبياء(عليهم السلام)؟(3) ثمّ إنّه قد ذكر الآلوسي في تفسيره بياناً طويلاً لنفي التقيّة وردّها ، ونحن نجمعه في ضمن اُمور ونجيب عنه : الأمر الأوّل : أنّ كلمات الإماميّة مضطربة في هذا الموضوع من حيث الحكم الشرعي ، فقال بعض منهم بالوجوب ، وذهب بعضهم إلى الاستحباب ، ومال ثالث إلى الجواز ، والاضطراب دليل على عدم تنقيح الموضوع عندهم، وكاشف عن عدم دليل معتبر(4). وفيه : أنّهم لم يعلموا أنّ الموضوع الواحد يصلح أن يكون متعلّقاً للأحكام المختلفة بالجهات المتعدّدة ، والتقيّة تنقسم بحسب الحكم التكليفي إلى الأحكام الخمسة، وسيأتي(5) تفصيلها إن شاء الله تعالى . الأمر الثاني : أنّ في كلمات أئمـّة الإماميّة كعليّ (عليه السلام) وبنيه ، ما يُبطل مشروعيّة التقيّة، فضلاً عن استحبابها وفضلها; لقوله (عليه السلام) : علامة الإيمان إيثارك الصدق، حيث يضرّك، على الكذب حيث ينفعك(6)،وأيضاً قوله (عليه السلام) : إنّي والله لو لقيتم واحداً وهم طلاع الأرض كلّها ما باليت ولا استوحشت(7) . (1 ، 2) منهاج السنّة النبويّة 1: 68 و ج2 : 46 وج7: 151، سلسلة الأحاديث الصحيحة 5: 646 ، الموسوعة الميسّرة في الأديان والمذاهب المعاصرة : 302. (3) سيأتي ذكر الآيات الدالّة على التقيّة في ص25ـ 27. (4) روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني 3: 163. (5) في ص21 ـ 23. (6) نهج البلاغة، للدكتور صبحي الصالح: 556 حكم 458، وفيه: «الإيمان أن تؤثر الصدق حيث يضرّك، على الكذب حيث ينفعك». (7) نهج البلاغة، للدكتور صبحي الصالح: 452 كتاب 62. صفحه 11 وفي هذه الكلمات دلالة على لزوم اختيار الصدق وإن كان مضرّاً ، ودلالة على أنّ الأمير لم يخف وهو منفرد عن حرب الأعداء وهم جموع ، ثمّ قال بعد هذه العبارات : كيف يفسّرون قوله ـ تعالى ـ : ( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَـئـكُمْ) بأكثركم تقيّة (1)؟ وفيه أوّلاً : أنّ التقيّة ليست بكذب، ولا يصدق عليها تعريف الكذب ; لأنّ من مقوّمات الكذب: هي المخالفة للواقع، والتقيّة ليست كذلك ; لأنّها مع تحقّق شرائطها تكون مأموراً بها بالأمر الاضطراري; وهو أمر واقعيّ ثانويّ ، فالعمل على طبق التقيّة عمل بالحكم الواقعي الثانوي، وإلاّ يلزم أن يكون جميع الموارد الاضطراري موجباً للكذب . وثانياً : أنّ الكذب من مقولة الخبر، والتقيّة ليست بخبر ، اللّهمّ إلاّ في التقيّة في الأقوال ، فتأمّل . وثالثاً : سلّمنا كونها من مصاديق الكذب ، لكنّ المراد من كلام أميرالمؤمنين (عليه السلام): هو الضرر الذي لم يبلغ حدّ القتل، ولا يكون هتكاً للعرض ، فلو كان الكذب موجباً لحفظ النفس; فبما أنّ حفظها أهمّ من قبح الكذب فيرجّح عليه ، ومسألة الأهمّ والمهمّ وترجيحه عليه من القواعد العقليّة العقلائيّة التي لا يعتريها ريب . ورابعاً : أنّ المراد من الأتقى في الآية الشريفة: هي التقيّة من الله ـ تبارك وتعالى ـ التي يعبّر عنها في الشريعة بالتقوى التي حثّ عليها الكتاب والسُنّة ، وسيأتي(2) أنّها خارجة عن بحث التقيّة المبحوث عنها في الفقه . الأمر الثالث : الاستدلال ببعض الروايات التي تدلّ على عدم جواز التقيّة في (1) روح المعاني 3: 164. (2) في ص19 و 22. صفحه 12 المسح على الخفّين(1) . وفيه : أنّ المسح على الخفّين ونظيره من موارد الاستثناء ، ونحن نقول أيضاً بعدم جريان التقيّة فيها . الأمر الرابع : الاحتجاج بما رواه الكليني عن معاذ بن كثير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنّه قال : إنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ أنزل على نبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم) كتاباً ، فقال جبرئيل : يا محمّد هذه وصيّتك إلى النجباء . فقال : ومن النجباء؟ فقال : عليّ بن أبي طالب وولده(عليهم السلام)، وكان على الكتاب خواتم ـ إلى أن قال :ـ وفي الخاتم الخامس : وقل الحقّ في الأمن والخوف، ولا تخش إلاّ الله تعالى(2) . وهذه الرواية صريحة بأنّ اُولئك الكرام ليس دينهم التقيّة، كما تزعمه الشيعة(3) . وفيه : أنّ التقيّة ـ كما سيأتي(4) ـ مشروعة فيما إذا لم ينجرّ إلى الفساد في الدين ، وفي بعض الموارد يحتمل أنّ سكوت الإمام (عليه السلام) موجب لفساد الدين ، فيجب عليه إظهار الحقّ . وبهذا البيان يظهر فساد ما قال أيضاً : لو كانت التقيّة واجبة لم يتوقّف إمام الأئمـّة عن بيعة خليفة المسلمين (5). فتدبّر في فساده . فيا عجباً من هذه الاستدلالات الموهونة البعيدة عن المتفقّه، فضلاً عمّن يسمّى بـ «الفقيه» ، ومن الواضح: أنّ بُعد العامّة عن الفقه الأصيل هو السبب لهذه (1) روح المعاني 3: 164. (2) الكافي 1: 279 ـ 280 ح1 و 2. (3) روح المعاني 3: 165. (4) في ص29 ـ 31. (5) روح المعاني 3: 166. صفحه 13 الاحتجاجات . وكيف كان، إنّ الشيخ الأعظم قد دقّق النظر وأتمّ الفكر في مبحث التقيّة(1) . وأكثر ما يوجد في كتب الفقهاء المتأخّرين عنه من التحقيقات فيها قد اُخذت جذورها من كلماته ، سيّما مبحث الإجزاء ; فإنّه قد استدلّ بروايات معتبرة لم نرَ الاستدلال بها قبل الشيخ في كلمات من تعرّض لهذا البحث، كالمحقّق الثاني في رسالته(2)، والشهيد الأوّل في قواعده(3) . وهذه الرسالة التي بين يديك كتبتها أداءً لبعض حقوقه الكثيرة على جميع المجتهدين، وإجابة لطلب بعض الأعزّاء الكرام من المسؤولين في المؤتمر العالمي بمناسبة الذكرى المئويّة الثانية لميلاد الشيخ الأعظم ، واُهديها إلى روحه الشريف، الذي يكون الاجتهاد مرهوناً له، والفقه موسّعاً ومُحقّقاً بتحقيقاته ، وأرجو من الله تعالى أن يتقبّلها بقبول حسن، ومن القرّاء الكرام أن ينظروا فيها بعين الدقّة والإغماض عن القصور. (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ) (4) . والبحث يقع هنا في فصول: (1) رسائل فقهيّة (تراث الشيخ الأعظم): 71 ـ 103. (2) رسائل المحقّق الكركي 2: 51. (3) القواعد والفوائد 2: 155 ـ 159، قاعدة 208. (4) سورة فاطر 35: 10. صفحه 14 صفحه 15 الفصل الأوّل : وهي إمّا مأخوذة من الثلاثي المجرّد «تقى يتقي تقيّة»، وإمّا من الثلاثي المزيد «اتّقى يتّقي اتّقاء وتقيّة»، وعلى كلا التقديرين تكون مصدراً ، كما هو المستفاد من كلمات اللغويّين(1) ، وتكون بمعنى التحذّر والتحفّظ مطلقاً ، ولا يكون اسماً للمصدر، كما ذهب إليه الشيخ الأنصاري (قدس سره) (2) . هذا بحسب اللغة . وأمّا في اصطلاح الفقهاء : فقد عرّفه الشيخ الأعظم «بأنّها التحفّظ عن ضرر الغير في قول، أو فعل مخالف للحقّ»(3) . وفي هذا التعريف قد اُخذ قيود ثلاثة : الأوّل : التقييد بأنّ القول، أو الفعل لأجل التحفّظ عن ضرر الغير ; سواء كان ضرراً عاجلاً، أو آجلاً ، وسواء كان الضرر ماليّاً، أو عرضيّاً، أو نفسيّاً . الثاني : الموافقة في مجرّد القول، أو العمل ، واحترز بهذا عن الموافقة بحسب الاعتقاد . (1) مجمع البحرين 3: 1966، لسان العرب 6: 480. (2 ، 3) رسائل فقهيّة (تراث الشيخ الأعظم): 71. صفحه 16 الثالث : تقييد القول والفعل بأنّهما مخالفان للحقّ . وقد وقع الخلاف في القيد الأوّل والثالث ، فذهب جمع(1) إلى أنّ التقيّة إذا كانت خوفيّاً ، فمعناها التحفّظ لأجل دفع الضرر ، وهذا البيان لا يجري في التقيّة المداراتيّة المستفادة من بعض الروايات(2) التي لا يكون في مخالفتها ضرر، لا عاجلاً،ولا آجلاً . وذهب بعض(3) إلى أنّ التقيّة أعمّ من أن يكون مخالفاً للحقّ، أو موافقاً له ، ففعل المنافقين في قبال المسلمين يكون من موارد التقيّة، ويصدق عليه عنوانها وإن كان موافقاً للحقّ . وفيه: أنّ فعل المنافقين خارج عن التقيّة في اصطلاح الفقهاء ; فإنّهم في مقام بيان التقيّة التي ترتّب عليها أحكام خاصّة ; تكليفيّة ووضعيّة ، ولا يترتّب على فعلهم أثر من هذه الآثار . وليعلم أنّ التقيّة بحسب الفقه دائرتها أوسع من التقيّة بحسب العقل ; فإنّها واجبة حتّى في صورة الأمن وعدم وجود المداراة أيضاً، كما ورد في المأثور : عليكم بالتقيّة; فإنّه ليس منّا من لم يجعلها شعاره ودثاره مع من يأمنه لتكون سجيّته مع من يحذره(4) ، ففي هذه الصورة تكون واجبة وإن لم يكن في البين خوف، أو مداراة، أو كتمان . (1) لم نجده عاجلاً. (2) وسائل الشيعة 16: 219 ـ 220، كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أبواب الأمر والنهي ب26. (3) هداية الطالب إلى أسرار المكاسب: 630. (4) الأمالي للطوسي (رحمه الله) : 293 ح569، وعنه وسائل الشيعة 16: 212، كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أبواب الأمر والنهي ب24 ح29. صفحه 17 الفصل الثاني : إنّ التقيّة لها جهات أربع تنقسم من كلّ جهة إلى أقسام : الجهة الاُولى : التقيّة بحسب الذات تنقسم إلى الخوفي ، والمداراتي ، والإكراهي ، والكتماني . والمراد من الخوفي أن يكون منشأ التقيّة هو الخوف من ضرر الغير; بأن يخاف إيصال الضرر إليه ; سواء كان الضرر على نفسه، أو عرضه، أو ماله، أو ما يتعلّق به . والمراد من المداراتي أن يكون المطلوب فيها المداراة مع العامّة لأجل وحدة كلمة المسلمين، وجلب مودّتهم لأجل تقوية الدين . والمراد من الإكراهي أن يكون منشأ التقيّة هو الإكراه من ناحية الغير ، وسيأتي(1) البحث في الفرق بين الإكراه والتقيّة فانتظر . والمراد من الكتماني ; وهو الذي يكون واجباً لا لأجل التحفّظ عن ضرر الغير به، أو المداراة معه، أو إكراه منه ، بل لحفظ المذهب و التحفّظ عن إفشاء سرّ (1) في ص31 ـ 34. صفحه 18 أهل البيت(عليهم السلام) . وسيأتي(1) تفصيل هذه الأقسام في البحث عن أنواع التقيّة . الجهة الثانية : تقسيمها بحسب المتّقي ; فإنّه قد يكون من العوامّ ، وقد يكون من رؤساء المذهب ، فقد يكون ارتكاب بعض الأعمال الصادرة من الشخصيّات البارزة الدينيّة موجباً لهتك حرمة المذهب، ووهن عقائد المسلمين . الجهة الثالثة : التقسيم بحسب المتّقى منه ; فإنّه قد يكون من الكفّار ، وقد يكون من سلاطين العامّة ، كما أنّه يمكن أن يكون سلطاناً شيعيّاً، أو قاضياً كذلك ، وقد يكون من العوامّ ، ويمكن أن يكون من الله سبحانه وتعالى ، وسيأتي المراد منه . الجهة الرابعة : تقسيمها بحسب المتّقى فيه ، فهو إمّا أن يكون حكماً شرعيّاً ، وإمّا أن يكون موضوعاً خارجيّاً ، والأوّل قد يكون فعلاً محرّماً ، وقد يكون تركاً للواجب; وهو: إمّا أن يكون تركاً لأصل الواجب ، أو يكون تركاً للجزء، أو الشرط ، وقد يكون إتياناً للمانع، أو القاطع . والتقسيم بحسب الجهات الأربعة من أشعّة أضواء فكر الإمام الخميني (قدس سره) ، على ما جاء في رسالته فيها(2) . وهاهنا تقسيم جاء في كلمات السيّد الخوئي (قدس سره) ; فإنّه قال : إنّها تنقسم إلى أقسام ثلاثة : الأوّل : قد يراد بها المعنى العامّ; وهو التحفّظ عمّا يخاف ضرره ولو في الاُمور التكوينيّة ، كما إذا اتّقى من الداء بشرب الدواء . الثاني : قد يراد بها المعنى الخاصّ ; وهي التقيّة المصطلح عليها ; أعني التقيّة من العامّة . الثالث : التقيّة من الله سبحانه وتعالى; وهي مساوق لإتيان الواجبات وترك (1) في ص43 ـ 49. (2) الرسائل، رسالة في التقيّة 2 : 174 ـ 175. صفحه 19 المحرّمات ، وليس لها حكم شرعيّ ، بل العقل يحكم بوجوبها(1) . النتيجة : فالمستفاد من مجموع الكلمات ـ بعد خروج التقيّة في التكوينيّات والتقيّة من الله ـ تبارك وتعالى ـ عن محلّ الكلام ; لعدم شمول تعريفها لهما ـ أنّها تنقسم إلى التقيّة بالمعنى الأخصّ ; وهي التقيّة عن العامّة فيما يرتبط بالمذهب ; وهي المبحوث عنها في الفقه ، وإلى التقيّة بالمعنى الأعمّ ; وهي التقيّة من العامّة وغيرهم لأجل الاضطرار والخوف في التشريعيّات . والأوّل ينقسم إلى الخوفي، والمداراتي والإكراهي، والكتماني . وجوه الفرق بين التقيّة بالمعنى الأخصّ، والتقيّة بالمعنى الأعمّ الأوّل : مدرك التقيّة من العامّة ـ مضافاً، إلى العقل في بعض أقسامها ـ هي الروايات الواردة في موردها(2) . بينما أنّ المدرك في التقيّة بالمعنى العامّ منحصر في العقل ; فإنّه يحكم بلزوم رعاية التقيّة في موارد الضرر ، ولهذا يكون تقسيمها إلى الأحكام الخمسة على وفق القاعدة ، فتدبّر . الثاني : أنّ الملاك في التقيّة من العامّة ، هو الملاك الذي ذكر في الروايات من الخوف، والمداراة، والكتمان، والإكراه ، مع أنّ الملاك في الثاني منحصر في الخوف فقط . الثالث : أنّ التقيّة بالمعنى الأخصّ قد يكون مطلوباً بالذات ، كالتقيّة الكتمانيّة ، (1) التنقيح في شرح العروة الوثقى (موسوعة الإمام الخوئي) 5 : 221 . (2) وسائل الشيعة 16 : 203 ـ 221 ، كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أبواب الأمر والنهي ب24ـ27. صفحه 20 وقد يكون مطلوباً بالغير ، كالتقيّة الخوفيّة ، بينما أنّ التقيّة بالمعنى العامّ يكون مطلوباً بالغير دائماً، ومقدّمةً للتحفّظ عن الضرر . الرابع : يمكن أن يقال بجريان قاعدة التزاحم في التقيّة بالمعنى الأعمّ في جميع مواردها ، وعدم جريان القاعدة في جميع موارد التقيّة بالمعنى الأخصّ ، بل في بعضها على ما سيأتي(1) . ثمّ اعلم أنّ كلمات الشيخ الأعظم (قدس سره) مضطربة جدّاً ، ولا يستفاد منها أنّه في مقام البحث عن أيّ قسم من هذين القسمين ، لكن يستفاد من بعض كلماته أنّه في مقام البحث عن التقيّة بالمعنى الأخصّ ، كتمثيله بالمداراة مع العامّة والعشرة معهم ، وكذا الفرق الذي ذكره بين الأقسام الخمسة وقال : يكتفى في التقيّة غير الواجبة بالموارد التي ذكرت في الروايات ، ويستفاد من المثال الذي ذكر للتقيّة المباحة والمكروهة أنّه في مقام البحث عن التقيّة بالمعنى الأعم(2) ، فتدبّر في كلماته (قدس سره) . (1) في ص21 ـ 23. (2) رسائل فقهيّة (تراث الشيخ الأعظم): 73 ـ 75. صفحه 21 الفصل الثالث : بناءً على ما سلكنا سابقاً(1) ، يجب البحث عن جريان الأحكام الخمسة التكليفيّة في التقيّة بالمعنى الأعمّ ، والمعنى الأخصّ . أمّا جريانها في التقيّة بالمعنى الأعمّ، فيتصوّر فيها جريان جميع الأحكام الخمسة : فقد تكون واجبة ، كما إذا كان ترك التقيّة مستلزماً لقتل نفسه ، كما في إظهار الكفر إذا كان تركه مستلزماً لذلك ، وقد تكون محرّمة وهي على نوعين : النوع الأوّل: حرمة تشريعيّة ; وهي التي كان منشأ الحرمة فيها التشريع ، كما إذا أجبره الحاكم على الاقتداء خلف الفاسق ، فيصلّي الشخص خلفه، لكن مع نيّة التقرّب ، وهذا حرام ; لأنّ الصلاة خلف الفاسق لا يكون مقرّباً ، ونيّة التقرّب بهذا العمل يكون تشريعاً . والنوع الثاني: الحرمة الذاتيّة ، كما إذا أجبره الحاكم على قتل نفس محترمة ، فلو فعل وقتل تقيّة لكانت حراماً بالحرمة الذاتيّة . وقد مثّل الشهيد الأوّل (قدس سره) للتقيّة المحرّمة بالتقيّة التي لم يكن في موردها (1) في ص10. صفحه 22 ضرر عاجلاً، ولا آجلاً(1) . وأورد عليه السيّد الخوئي(2) بأنّ هذا المورد خارج عن موضوع التقيّة ; فإنّ الملاك في التقيّة بالمعنى العامّ خوف الضرر، فلا تتّصف بالحرمة مع عدم وجود الضرر . وأمّا التقيّة المستحبّة، فقد مثّل لها الشيخ الأعظم بالمداراة مع العامّة، وجلب مودّتهم، والحضور في مجالسهم (3). وأورد عليه السيّد الخوئي بنفس الإيراد السابق ، ثمّ قال : إنّ التقيّة كالعدالة ذات مراتب متعدّدة ، والاستحباب إنّما يتصوّر بالنسبة إلى الدرجة الشديدة منها ، ثمّ استشهد بقوله ـ تعالى ـ : ( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَ ـ ـكُمْ) (4); بمعنى أشدّكم تقيّة(5) . وفيه: أنّ قياس التقيّة بالعدالة غير صحيح جدّاً ; لأنّ التقيّة إمّا أن تتحقّق في الخارج، وإمّا أن لا تتحقّق ، بخلاف العدالة ; لأنّها يمكن أن تتحقّق في الإنسان على نحو متوسّط ، ويمكن أن يحصل على نحو شديد . وأمّا ما استشهد به، ففساده واضح ; لأنّ التقيّة المذكورة في الآية هي التقيّة من الله تبارك وتعالى ، ولها مراتب متعدّدة ، بل هي عين العدالة . وقد قلنا سابقاً(6) بخروج هذا النوع من التقيّة عن محلّ الكلام ، فالقول بوجود المراتب للتقيّة من غير الله يلزم أن تتّقى منه، فاتّق . (1) القواعد والفوائد 2: 158، قاعدة 208. (2) التنقيح في شرح العروة الوثقى (موسوعة الإمام الخوئي) 5: 224. (3) رسائل فقهيّة (تراث الشيخ الأعظم): 75. (4) سورة الحجرات 49: 13. (5) التنقيح في شرح العروة الوثقى (موسوعة الإمام الخوئي) 5: 225. (6) في ص11 و 19. صفحه 23 والمثال الصحيح للتقيّة المستحبّة إنّما هو فيما لو كانت التقيّة في مورد أرجح من تركها ، كما إذا اُكره على البراءة من أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) ، فالبراءة تقيّةً ـ بناءً على جريان التقيّة في التبرّي ـ أرجح من تركها وتعريض نفسه على القتل . ومن هذا البيان يظهر المثال للتقيّة المكروهة، فلو كان ترك التقيّة أرجح من التقيّة ، كما إذا فرضنا أنّ تعريض النفس على الهلاك أرجح من التبرّىء ، لكان التبرّىء تقيّةً مكروهاً ، ولو لم يرجّح أحدهما على الآخر لكانت التقيّة مباحة . هذا كلّه في جريان الأحكام الخمسة في التقيّة بالمعنى الأعمّ . وأمّا جريانها في التقيّة بالمعنى الأخصّ ، فالمستفاد من الروايات(1) أنّ هذا النوع من التقيّة إمّا واجبة، وإمّا مستحبّة ، ولا تنقسم إلى الأقسام الاُخر من المباحة، والمحرّمة، والمكروهة . (1) وسائل الشيعة 16: 203 ـ 214 ، كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، أبواب الأمر والنهي ب24. صفحه 24 الفصل الرابع : أدلّة التقيّة بالمعنى الأخصّ والأعمّ أمّا الاُولى : فهي الروايات الواردة في المقام ، وسنذكرها جميعاً في طيّ المباحث الآتية ، فانتظر . وأمّا الثانية : فمضافاً إلى كونها من الاُمور الضروريّة العقلائيّة، تدلّ عليها آيات متعدّدة : 1 ـ قوله ـ تعالى ـ : (لاَ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَـفِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَ لِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِى شَىْء إِلاَّ أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَــاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ) (1)، والتقاة بمعنى التقيّة، وأصلها وُقَيَةً . قال الطبرسي : والمعنى: إلاّ أن يكون الكفّار غالبين، والمؤمنون مغلوبين ، فيخافهم المؤمن إن لم يظهر موافقتهم، ولم يُحسن العِشرة معهم ، فعند ذلك يجوز له إظهار مودّتهم بلسانه، ومداراتهم تقيّةً منه، ودفعاً عن نفسه من غير أن يعتقد ذلك . وفي هذه الآية دلالة على أنّ التقيّة جائزة في الدين عند الخوف على النفس ، وقال (1) سورة آل عمران 3 : 28 . صفحه 26 أصحابنا : إنّها جائزة في الأحوال كلّها عند الضرورة، وربما وجبت فيها لضرب من اللطف والاستصلاح(1) . وقال شهاب الدين الآلوسي في تفسيره : وفي الآية دليل على مشروعيّة التقيّة(2) . وقال القرطبي : قال ابن عبّاس : هو أن يتكلّم بلسانه وقلبه مطمئنّ بالإيمان، ولا يُقتل ولا يأتي مأثماً . وقال الحسن : التقيّة جائزة للإنسان إلى يوم القيامة(3) . وقال الفخر الرازي في تفسيره : إنّ هذا القول أولى; لأنّ دفع الضرر عن النفس واجب بقدر الإمكان(4). فالآية تدلّ على مشروعيّة التقيّة وجواز استعمالها في الدين . 2 ـ قوله ـ تعالى ـ : ( مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إِيمَـنِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَـئـِنُّ بِالاِْيمَـنِ وَ لَـكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (5)، واختلف المفسّرون في أنّ الآية فيمن نزلت ؟ والأشهر الأصحّ بحسب الروايات الواردة أنّها نزلت في عمّار وأصحابه(6) ، حيث أخذهم الكفّار وأكرهوهم على كلمة الكفر، فلم يعطهم أبو عمّار واُمّه فقتلا ، وأعطاهم عمّار بلسانه ما أرادوا منه، فأخبر سبحانه وتعالى بذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله) (7) . وكيف كان، فالآية دالّة على مشروعية التقيّة بإظهار كلمة الكفر عند (1) مجمع البيان 2 : 272 . (2) روح المعاني 3 : 161 . (3) الجامع لأحكام القرآن : 4 : 57 . (4) التفسير الكبير للفخر الرازي 3: 194. (5) سورة النحل 16 : 106 . (6) وسائل الشيعة 16: 225 ـ 230 ، كتاب الأمر والنهي ، أبواب الأمر والنهي ب29. (7) مجمع البيان 6 : 191. | ||||||||||||||||||||