صفحه اصلى
  زندگى نامه
  تاليفات
  دروس
  پيام ها
  مصاحبه ها
  سخنرانى ها
  ديدارها
  آلبوم تصاوير
  خاطرات
  سولات برگزيده
  پايگاه هاى مرتبط
  مناسبتها
  ارتباط با ما

« قبل فهرست بعد »

صفحه 114

4، 5 ـ تحقّق الكذب والغيبة بالكتابة

وقد وقع الخلاف في باب المفطرات من كتاب الصيام في أنّ الكذب على الأئمـّة والأنبياء(عليهم السلام) ـ الذي هو من المفطرات ـ هل يتحقّق بالكتابة، أم لا؟وهل يتحقّق موضوع الغيبة بالكتابة، أم لا؟ فذهب صاحب الجواهر إلى تحقّق الغيبة بالكتابة، فقال: بل المعلوم أنّ حرمتها بالقول باعتبار إفادته السامع ما ينقصه ويعيبه وتفهيمه ذلك، وحينئذ فيعمّ الحكم كلّ ما يفيد ذلك; من الكتابة التي هي إحدى اللسانين، والحكاية التي هي أبلغ في التفهيم من القول والتعريض والتلويح وغيرها(1) . وتفصيل الموردين يحتاج إلى بحث موسّع موكول إلى محلّه .

فتحصّل ممّا ذكرنا إلى هنا عدم اختصاص للّفظ، سيّما في الإخباريات إلاّ بدليل خاصّ في مورد خاصّ.

وبعد هذه المقدّمة يمكن أن يستدلّ لكفاية الكتابة بوجهين:

الوجه الأوّل: قوله ـ تعالى ـ : (يَـأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْن إِلَى أَجَل مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبُ بِالْعَدْلِ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ . . .) (2) .

فقد استدلّ المحقّق الأردبيلي (قدس سره) بهذه الآية المباركة على اعتبار الكتابة، فقال:

ثمّ اعلم أنّ هذه التأكيدات في أمر الكتابة تدلّ ظاهراً على أنّها معتبرة وحجّة شرعيّة، مع أنّهم يقولون بعدم اعتبارها، فكأنّه للإجماع والأخبار، فتكون للتذكرة وهو بعيد، ويمكن أن تكون حجّة مع ثبوت أنّه إملاء من عليه الدَّين، وأنّه مكتوب بالعدل وما دخل عليه التغيير والتزوير بإقراره أو بالشهود، ولهذا شرط الإملاء منه، فدلّت على اعتبار الكتابة في الجملة ، ومثلها معتبرة عندهم، فيخصّص عدم


(1) جواهر الكلام 22 : 64 .
(2) سورة البقرة 2 : 282 .

صفحه 115

اعتبار الكتابة، ودليله إن كان بغير ذلك، فإذا قال شخص: هذه وصيّتي وأعلم بجميع ما فيها مشيراً إلى صكّه ، ينبغي قبوله والشهادة عليه والعمل به، والذي يظهر من القواعد(1) خلافه، وهكذا ينبغي قبول قول أمثاله فافهم(2)، انتهى كلامه رفع مقامه .

والمستفاد من هذه العبارات أنّه قال:

أوّلاً: أنّ التأكيدات في الآية الشريفة على الكتابة وكيفيّتها وشرائطها تدلّ على أنّها حجّة معتبرة مستقلّة عند الشارع المقدّس .

وثانياً: أنّ فتوى الفقهاء وعدولهم عن ظاهر الآية الشريفة، والذهاب إلى عدم اعتبارها إنّما هو من جهة الإجماع ووجود الأخبار; وبناءً على ذلك تكون الكتابة تذكرة لمن كتب، وليست دليلاً وحجّة .

وثالثاً: يحتمل أن تكون الكتابة حجّة في الجملة لا بالجملة ، وقد مال الفقهاء إلى اعتبار هذا النوع من الكتابة، وهو خارج من أدلّة عدم اعتبار الكتابة بالخروج التخصيصي .

واللازم هنا البحث عن الآية الشريفة ومدى دلالتها، وأنّها هل تدلّ على اعتبار الكتابة وحجّيتها مستقلاًّ أم لا؟

اختلف المفسِّرون في أنّ الآية الشريفة هل هي دالّة على الحكم المولوي الشرعي، أم لا، بل يدلّ على الحكم العقلائي الإرشادي؟ وعلى تقدير كون الحكم مولويّاً هل هي دالّة على الحكم الوجوبي أو الاستحبابي؟ وعلى فرض الوجوب هل هو على نحو الوجوب الكفائي أم لا؟

ذهب جمع من الخاصّة والعامّة: إلى أنّ الأمر بالكتابة دالّ على الوجوب


(1) قواعد الأحكام 2: 445.
(2) زبدة البيان في براهين أحكام القرآن : 563 ـ 564.

صفحه 116

استناداً إلى ظاهر الأمر، وهو مذهب عطاء وابن جريح والنخعي من العامّة(1) .

وقال آخرون: إنّ هذا الأمر محمول على الندب، ذهب إليه المحقّق الأردبيلي(2)وجمع من المفسّرين، كالفخر الرازي ـ في تفسيره ـ على ما يستظهر من كلامه واستدلّ عليه بأمرين:

الأوّل: الإجماع العملي على عدم وجوبها، وذلك أنّا نرى جمهور المسلمين في جميع ديار الإسلام يبيعون بالأثمان المؤجّلة من غير كتابة، ولا إشهاد .

الثاني: أنّ في إيجاب الكتابة التشديد العظيم على المسلمين، مع أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) يقول: بعثت بالحنيفيّة السهلة السمحة(3) ،(4).

وقال الآلوسي: والجمهور على استحبابه لقوله ـ سبحانه ـ : {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِى اؤْتُمِنَ أَمَـنَتَهُ} (5) .

وذهب بعض، كالحسن والشعبي والحكم بن عيينة: إلى أنّ الكتابة كانت واجبة، إلاّ أنّ ذلك صار منسوخاً بقوله ـ تعالى ـ : {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا} (6) .

وقال أمين الإسلام الطبرسي في مجمع البيان:

واختلف في هذا الأمر; فقيل هو مندوب إليه، وهو الأصحّ، ويدلّ عليه قوله ـ تعالى ـ : {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا} (7) .

وأورد عليه المحقّق الأردبيلي: بأنّ هذه الآية تدلّ على عدم وجوب الكتابة في


(1) التبيان في تفسير القرآن 2: 372، التفسير الكبير للفخر الرازي 3: 92.
(2) زبدة البيان في براهين أحكام القرآن: 560.
(3) مسند أحمد بن حنبل: 8 / 303 ح22354، الكافي 5 : 494 ح1، الأمالي للطوسي: 528 قطعة من ح1162.
(4) التفسير الكبير للفخر الرازي 3: 92.
(5) روح المعاني 3: 75.
(6) التفسير الكبير للفخر الرازي 3: 92.
(7) مجمع البيان  2 : 219.

صفحه 117

فرض الإئتمان لا بصورة مستقلّة، وبعبارة اُخرى: لا تدلّ على عدم الوجوب مطلقاً(1) .

وقال الحائري الطهراني في تفسيره:

واختلف في الكتابة هل هي فرض أم لا؟ فقيل: هي فرض على الكفاية، كالجهاد ونحوه، عن الشعبي وجماعة من المفسِّرين والرّماني، وجوّز الجبائيأن يأخذ الكاتب والشاهد الاُجرة على ذلك (2).

وقال الشيخ أبو جعفر الطوسي: وعندنا لا يجوز ذلك ، وأمّا الورق الذي يكتب فيه على صاحب الدين دون من عليه الدين، ويكون الكتاب في يده; لأنّه له ، وقال السدي واجب على الكاتب في حال فراغه ، وقال مجاهد وعطاء: هو واجب إذا أمر ، وقال الضحّاك: نسختها قوله: (وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ) (3)،(4) .

وذهب القرطبي إلى أنّ المقصود من الآية الشريفة ليس مجرّد الكتابة ، بل الكتابة منضمّاً بالإشهاد، فقال: أمر بالكتابة، ولكنّ المراد الكتابة والإشهاد; لأنّ الكتابة بغير شهود لا تكون حجّة(5) .

وفيه أوّلاً: أنّ هذا خلاف الظاهر ، بل الصريح في الآية الشريفة .

وثانياً: أنّ الله ـ تبارك وتعالى ـ في هذه الآية الشريفة أمر في المداينة بأمرين: أحدهما: الكتابة، والثاني: الإشهاد; وهو قوله ـ تعالى ـ : {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ}  ، والظاهر أنّ كلاًّ منهما مستقلّ عن الآخر، ولا يكون الإشهاد شرطاً للكتابة .


(1) زبدة البيان في براهين أحكام القرآن : 561 ..
(2) لم نعثر على كتابه.
(3) سورة البقرة 2: 282.
(4) التبيان في تفسير القرآن 2: 372.
(5) الجامع لأحكام القرآن 3 : 382.

صفحه 118

وقال الشيخ أحمد الجزائري:

الأمر بكتابة الدين; لئلاّ يذهب المال بطول المدّة، وعند عروض النسيان، أو  الموت، ويكون قاطعاً لسبيل النزاع في الزيادة والنقصان، فالأمر حينئذ يكون هنا للإرشاد، وعند بعضهم أنّه للندب، وعند آخرين أنّه للوجوب، والأخير ضعيف; لأصالة عدمه، ولاستمرار السلف على تركه غالباً، ولعموم قوله (عليه السلام) : «الناس مسلّطون على أموالهم»(1) يفعلون بها كيف شاءوا، وهذا ظاهر(2) .

أقول: كلامه في إرشاديّة الأمر جيّد، إلاّ أنّ الاستدلال لعدم الوجوب بأصالة العدم غير صحيح; لأنّه يقال في مقابله: الأصل عدم الاستحباب، مع أنّ ظاهر صيغة الأمر يدلّ على الوجوب، ومع وجود هذا الظاهر لا وجه للاستدلال بالأصل، وكذلك الاستدلال بحديث السلطنة غير تامّ; لما ثبت في محلّه من أنّ الحديث ليس مشرّعاً، والسلطنة إنّما هي على الأموال لا على الأحكام، على ما ذهب إليه الشيخ الأنصاري(3)، وهو الحقّ وإن خالفه في ذلك بعض، كالسيّد اليزدي ـ على ما هو ببالي ـ في حاشيته(4)، فراجع .

وقال بعض المعاصرين: إنّ القرآن قد أتى بأرقى مبادئ الإثبات في العصر الحديث; وهي الكتابة على ما نصّ به في آية التداين، ولكن لمـّا كانت حضارة العصر تقصر دون ذلك ـ لغلبة الأُميّة ـ لم يستطع الفقهاء إلاّ أن يسايروا حضارة عصرهم ، فإذا بالفقه الإسلامي يرتفع بالشهادة إلى مقام تنزل عنه الكتابة نزولاً بيّناً . ومن العجب أنّ عصر التقليد في الفقه الإسلامي لم يدرك العوامل التي كانت


(1) عوالي اللئالي: 1 / 222 ح99 و ص457 ح198 ، وج3 / 208 ح49.
(2) قلائد الدرر في بيان آيات الأحكام 2 : 258.
(3) المكاسب (تراث الشيخ الأعظم) 3 : 87 .
(4) حاشية كتاب المكاسب 3: 449.

صفحه 119

وراء تقديم الشهادة على الكتابة، فظلّ يردّد ما قاله الفقهاء الأوّلون في تقديم الشهادة(1) .

وقال المحقّق الحائري في الردّ على ذلك:

إنّ الآية المباركة لا دلالة فيها على كون الكتابة مصدراً للإثبات فيالقضاء عند المرافعة، وأنّ البيّنة مصدر ثانويّ للإثبات، وإنّما الآية أكّدت علىضرورة الكتابة، وقد يكون ذلك للتذكير والمنع عن النزاع. ثمّ الكتابة حينما تفيد العلم خصوصاً القريب من الحسّ، فإغفالها إنّما هو صادق بشأن الفقه السنّي . أمّا الفقه الشيعي، فقد اعترف بحجّية علم القاضي وتقدّمه على البيّنة، وحينما لا تفيدالعلم ، فالعلم الحسّي للبيّنة كان أقرب إلى الواقع من ظنّ القاضي الناشئ من الكتابة لدى الشارع(2) .

والتحقيق: أنّ المستفاد من الآية الشريفة اُمور والله العالم:

الأوّل: أنّ الآية الشريفة ليست بصدد بيان حكم شرعيّ مولويّ حتّى يقع الخلاف في دلالتها على الوجوب الشرعي أو الاستحباب، بل الآية الشريفة في مقام إرشاد الناس إلى طريق صحيح مانع عن ظهور الاختلاف، وعن الزيادة والنقصان، ويؤيّد ذلك قوله ـ تعالى ـ : {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا} (3) .

الثاني: أنّ الشارع قد أمضى في هذه الآية المباركة اعتبار الكتابة عند العقلاء وإن كان بينهما فرق من جهة الشرائط والخصوصيّات المعتبرة في كيفيّة الكتابة .

الثالث: أنّ الآية لا تختصّ بمورد السَّلم حسب ما تخيّله بعض المفسِّرين ، بل الحكم عامّ جار في جميع المعاملات والعقود ، بل في جميع ما اعتبر العقلاء فيه


(1) هامش الوسيط في شرح القانون المدني الجديد 2: 356.
(2) القضاء في الفقه الإسلامي : 542 .
(3) سورة البقرة 2 : 283.

صفحه 120

الكتابة; فإنّها حجّة معتبرة شرعيّة، كما هي حجّة معتبرة عقلائيّة .

وبعبارة اُخرى: أنّ الأمر بالكتابة أمر إرشاديّ; وهو في العموميّة والخصوصيّة تابع للمرشد إليه، ومن الواضح: أنّ اعتبار الكتابة عند العقلاء لايختصّ بمورد خاصّ .

إن قلت: إنّ الشارع قد أمضى هذا العمل العقلائيّ في مورد خاصّ; وهو الدَّين وبيع السَلم، ولا يجوز التعدّي عن هذا المورد .

قلت: هذا صحيح لو كان بصدد الإمضاء في خصوص المورد، مع أنّ الظاهر أنّ الشارع في مقام تطبيق الأمر العقلائي على هذا المورد، وهذا يكفي في إمضاء الشارع بالنسبة إلى جميع ما اعتبر العقلاء فيه الكتابة، فتدبّر .

الرابع: أنّ الآية لا تدلّ على إنشاء الدَّين بالكتابة ; يعني أنّها لم تستعمل في إنشاء عقد الدَّين ، بل هي دالّة وصريحة في أنّه بعد تحقّق الدَّين يجب الكتابة;للاحتجاج بها في مقام الاختلاف بالنسبة إلى الزيادة والنقيصة .

الخامس: بناءً على كون الأمر في الآية إرشاديّاً لا مجال للبحث عن تحقّق النسخ فيها وعدمه; لأنّ النسخ إنّما هو في الأحكام الشرعيّة المولوية . وأمّا الأحكام الإرشاديّة، فلا يعقل النسخ فيها .

السادس: المستفاد من الآية الشريفة حجّية الكتابة في الاُمور غير الإنشائيّة ، وبعبارة اُخرى: حجّية الكتابة بعنوان الطريق لإثبات الادّعاء في مقام الخلاف، ولاتدلّ على اعتبار الكتابة في الاُمور الإنشائيّة .

الوجه الثاني: السيرة الموجودة بين العقلاء من اعتبار الكتابة بينهم، وهذا ممّا لا يقبل الإنكار; فإنّه لا فرق عندهم بين اللفظ والكتابة، فالبيع كما ينعقد عندهم بطريق الألفاظ، كذلك ينعقد عندهم بطريق الكتابة كالأفعال ، فالعقلاء يعاملون معها معاملة البيع اللفظي والإجارة اللفظيّة وهكذا، ولم يدلّ دليل في الشريعة على


صفحه 121

ردع هذا العمل إلاّ في بعض الموارد الخاصّة ، بل الدليل على الإمضاء موجود، كما عرفت في الوجه الأوّل .

قال صاحب الجواهر: إذا قامت القرائن الحاليّة وغيرها على إرادة الكاتب بكتابته مدلول اللفظ المستفاد من رسمها، فالظاهر جواز العمل بها ; للسيرة المستمرّة في الأعصار والأمصار على ذلك ، بل يمكن دعوى الضرورة على ذلك ، خصوصاً مع ملاحظة عمل العلماء في نسبتهم الخلاف والوفاق، ونقلهم الإجماع وغيره في كتبهم المعمول عليها بين العلماء، ودعوى أنّ ذلك كلّه من جهة فتح باب الظنّ في الأحكام الشرعيّة وموضوعاتها، واضحة الفساد ; ضرورة كون السيرة المزبورة على الأعمّ من ذلك، كالوكالة والإقرار والوصايا والأوقاف، وتصنيفهمكتب الفتوى للأطراف، وعمل الناس بها، ونحو ذلك(1) .

إن قلت: إنّ هذه السيرة مستحدثة ولم تكن موجودة في زمن الشارع حتّى تمضى أو تردّ .

قلت: إنّا قد حقّقنا في محلّه في مباحث الأُصول أنّه لا يجب أن تكون السيرة موجودة في زمن الشارع ، بل الشارع يجب عليه الردع عن السيرة التي لم تكن ممضاة عنده ، وبعبارة أُخرى: الشارع بما أنّه شارع يجب عليه البيان ولو بنحو عامّ بالنسبة إلى السيرة الموجودة في زمنه، والتي تتحقّق بعد ذلك إذا كان في مقام ردعها .

فهذه السيرة في ما نحن فيه بما أنّها لم يدلّ دليل على الردع عنها، فهي حجّة شرعيّة أيضاً، ولكن يجب أن تعلم أنّ إطلاق هذه السيرة محلّ تأمّل وإشكال، ولاندري أنّ العقلاء يكتفون بالكتابة في جميع اُمورهم، أم لا؟ فجريان السيرة


(1) جواهر الكلام 40 : 304.

صفحه 122

العقلائية مثلاً غير معلوم في الشهادة على طريق الكتابة، وبما أنّ الأدلّة اللبّية يجب الأخذ بالقدر المتيقّن منها، فتنتج أنّ الكتابة حجّة في الجملة عند العقلاء .

إن قلت: إنّ الكتابة ليست بصراحة كالألفاظ ، فالاعتماد عليها في العقود والإيقاعات وغيرهما غير تامّ .

قلت: إنّها ليست بأقلّ من الأفعال ، بل ربما يدّعى أنّها في الدلالة على المراد تكون في عرض الألفاظ من دون تفاوت بينهما; فإنّ الإجمال الموجود في الأفعال غير متحقّق في الكتابة .

وبالجملة: كما أنّ الألفاظ تستعمل في مقام الإنشاء، كذلك الكتابة تستعمل في الإنشاء، وفي كلا المقامين يحتاج الإنشاء إلى القرينة، وهذا المقدار ليس بمضرٍّ،ويستفاد من كلمات الشيخ الأعظم أنّ الصراحة في نفس تحقّق عنوان العقد معتبرة، والصراحة في الدلالة غير معتبرة، فراجع(1) . فالإنشاء لا يتقوّم باللفظ،كما أنّ الأخبار كذلك، فتدبّر .

كلام السيّد الإمام الخميني (قدس سره)

وقد مال السيّد الإمام رحمة الله عليه في ابتداء كلامه إلى تحقّق البيع بالإشارة والكتابة وغيرهما من المظهرات، بدعوى: أنّ البيع ليس إلاّ المبادلة بين المالين أو تمليك عين بعوض ـ حسب ما اختاره الشيخ الأنصاري(2)ـ فالإشارة المفهمة والكتابة وغيرهما، آلات لإنشاء المعنى الاعتباري، وليس للّفظ ولا لعمل خاصّ خصوصيّة في ذلك .

ثمّ عدل عن ذلك وقال: إلاّ أن يقال: إنّ ماهيّة البيع وإن كانت المبادلة، لكن


(1) المكاسب (تراث الشيخ الأعظم) 3 : 120.
(2) المكاسب (تراث الشيخ الأعظم) 3 : 11 .

صفحه 123

لابدّ في تحقّقها من سبب عقلائيّ، واللفظ والتعاطي سببان عقلائيّان بلا شبهة . وأمّا سائر المبرزات، فليست من الأسباب العقلائيّة لإيجاد الطبيعة وإن كانت بواسطة القرائن مفهمة للمقصود.

فهل ترى أنّ المتعاملَين لو تقاولا على أنّ «إيجابي هو العطسة مثلاً، وقبولك وضع الكفّ على الكفّ» صدق على ما فعلا «البيع» ونحوه؟

فالإشارة وأمثالها ليست أسباباً عقلائيّة، ولا تتحقّق الماهيّة بها عند العقلاء(1).

ونلاحظ في ذلك أنّ قياس الكتابة بالعطسة غير صحيح; فإنّ الكتابة ـ سيّما اليوم ـ من المظهرات والمبرزات العقلائيّة ، بل هي أقوى من الإشارة .

وهنا خلاف بين الأعلام في تقديم الإشارة على الكتابة، أو ترجيح الكتابة عليها فيما إذا كان الشخص أخرس . فقيل بتقديم الإشارة على الكتابة; لأنّها أصرح; فإنّ الكتابة قد تكون لأجل التعليم والتمرين، بخلاف الإشارة ، وقيل بتقديم الكتابة على الإشارة; لكونها أضبط .

وأورد على كلا القولين السيّد الخوئي بأنّه لو سلّمنا الصغرى، فلا ريب في أنّ الكبرى ممنوعة; إذ لا دليل على الترجيح بالأصرحيّة أو الأضبطيّة، وإلاّ لزم ترجيح الكتابة على الإنشاء اللفظي أيضاً; لأضبطيّة الكتابة على اللفظ . ثمّ اختار صحّة الإنشاء لكلّ ما يكون مصداقاً له عرفاً; سواء كان لفظاً، أو كتابة، أو إشارة، أو تعاطياً من الطرفين، أو إعطاء من طرف واحد، أو غير ذلك، من غير ترتيب بينهما إلاّ في الطلاق ، فيستفاد الترتيب بين الكتابة والإشارة من النصّ(2).

يعني رواية الصدوق بإسناده عن البزنطي، أنّه سأل أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن


(1) كتاب البيع للإمام الخميني (رحمه الله) 1 : 302 ـ 303.
(2) محاضرات في الفقه الجعفري 2: 118.

صفحه 124

الرجل تكون عنده المرأة يصمت ولا يتكلّم، قال: أخرس هو؟ قلت: نعم، ويعلممنه بغض لامرأته وكراهة لها، أيجوز أن يطلّق عنه وليّه؟ قال: لا، ولكن يكتب ويشهد على ذلك. قلت: أصلحك الله فإنّه لا يكتب ولا يسمع كيف يطلّقها؟ قال: بالذي يعرف به من أفعاله; مثل ما ذكرت من كراهته وبغضه لها(1) .

وذهب السيّد في حاشيته إلى أنّ الترتيب المذكور في النصّ إنّما هو من باب بيان طبع المطلب(2) .

وأورد عليه السيّد الخوئي بأنّ ظهور النصّ في التعيين بحسب التعبّد الشرعي غير قابل للإنكار(3) .

وفيه: أنّ النصّ لا ظهور فيه في الترتيب، وإنّما هو بيان للمطلب على حسب سؤال السائل بحسب المورد، ولا يستفاد منه الترتيب .

الكتابة والمباني المختلفة في حقيقة الإنشاء

ولا بأس هنا بالإشارة إلى المباني المختلفة في الإنشاء، والبحث عن الكتابة بالنسبة إلى كلّ واحد منها:

فاعلم أنّ في حقيقة الإنشاء خلافاً شديداً بين الأكابر .

فذهب المشهور إلى أنّ الإنشاء عبارة عن إيجاد المعنى الاعتباري بسبب اللفظ، كإيجاد علقة الزوجيّة بلفظ «أنكحتُ»، وإيجاد الملكيّة بصيغة «بعتُ»، ولاشكّ أنّ الكتابة صالحة لإيجاد المعنى الاعتباري، ولا خصوصيّة للّفظ في ذلك الإيجاد .


(1) الفقيه 3 : 333 ح1613، تهذيب الأحكام 8 : 74 ح247، الاستبصار 3 : 301 ح1065، الكافي 6 : 128 ح1، وعنها وسائل الشيعة 22 : 47 ، كتاب الطلاق، أبواب مقدّماته وشرائطه ب19 ح1.
(2) حاشية كتاب المكاسب للسيّد اليزدي 1 : 417.
(3) محاضرات في الفقه الإسلامي 2 : 118.

صفحه 125

وذهب المحقّق الأصبهاني(1) إلى أنّ الإنشاء عبارة عن إيجاد المعنى بالوجود الجعلي وهو اللفظ مثلاً; يعني أنّ للملكيّة وجودين: الأوّل: الوجود المضاف إلى نفسها حقيقةً، وهذا هو الوجود الحقيقي لها ، والثاني: الوجود الذي يكون مضافاً حقيقةً إلى الطبيعة الاُخرى، ويضاف إلى الملكيّة بالمسامحة والعناية; وهو لفظ بعتُ، أو ملكتُ ، وبناءً على هذا المسلك لا إشكال في صلاحيّة الكتابة للإنشاء; لأنّها أيضاً من نوع الوجود الجعلي، كاللفظ .

وذهب السيّد الخوئي(2) إلى أنّ الإنشاء عبارة عن إبراز الاعتبار النفساني، ومن الواضح أنّ الكتابة صالحة لإبراز الاعتبار النفساني، كما لا يخفى .

فتبيّن أنّ الكتابة على جميع المسالك في حقيقة الإنشاء صالحة للإنشاء، إلاّ أنّها ليست بحدّ الألفاظ (3).

المقام الثاني: بعد إثبات حجّية الكتابة، فهل تجري في مسألة الشهادة والبيّنة أم لا؟ وبعبارة أُخرى: أنّه لو قلنا بعدم جريان الكتابة في مطلق الاُمور الخبريّة والإنشائيّة ، فلا مجال لهذا البحث. أمّا إذا قلنا باعتبارها ولو إجمالاً ، فهل الصحيح للشاهد أن يكتب ما يعلمه، ويرسله إلى القاضي، أم لا يصحّ، بل المعتبر النطق والحضور في المحكمة أمام القاضي والشهادة باللفظ عنده؟ وبعبارة اُخرى: هل الكتابة كافية في طريق الإثبات، أم لا يكفي؟ وهل في مسألة القضاء خصوصيّة تمنع عن قبول الشهادة الكتبيّة، أم لا؟

ولابدّ قبل بيان الحقّ; من التعرّض للكلمات والأقوال والتفحّص للشروط التي ذكرها الفقهاء للشهادة حتّى يظهر أنّ النطق والحضور أمام الحاكم، هل هو شرط لصحّة الشهادة، أم لا يشترط النطق، بل يكفي تحقّقها بالكتابة مثلاً؟


(1) نهاية الدراية 1 : 274 ـ 275.
(2) محاضرات في اُصول الفقه (موسوعة الإمام الخوئي) 1 : 97 ـ 98 .
(3) وقد بسطنا القول مفصلاً حول حقيقة الإنشاء في دروسنا الاُصوليّة، المؤلّف.

صفحه 126

ومحلّ الكلام فيما إذا كتب الكاتب ما يعلمه ويرسله إلى القاضي، فهل هي حجّة للحاكم أم لا؟ أمّا البحث في أنّه هل يجوز للشخص أن يكتب ما يعلمه ويرسله إلى القاضي فليس بمهمّ، إلاّ أنّه في معرض التهمة على الحرص على الأداء، وهو خارج عن محلّ البحث .

والشيخ (رحمه الله) في الخلاف لم يتعرّض لهذا الفرع، بل إنّما تعرّض لفروع أُخر شبيهة أو قريبة إلى هذا الفرع، فقال في آداب القضاء:

إذا ارتفع إليه خصمان، فذكر المدّعي أنّ حجّته في ديوان الحكم، فأخرجها الحاكم من ديوان الحكم مختومة بختمه ، مكتوبة بخطّه، فإن ذكر أنّه حكم بذلك حُكم له ، وإن لم يذكر ذلك لم يحكم له به، وبه قال أبو حنيفة ومحمّد والشافعي . وقال ابن أبي ليلى وأبو يوسف: يعمل عليه ويُحكم به وإن لم يذكره; لأنّه إذا كان بخطّه مختوماً بختمه، فلا يكون إلاّ حكمه .

دليلنا قوله ـ تعالى ـ : {وَ لاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} (1)، فإذا لم يذكرهلم يعلم; ولأنّ الحكم أعلى من الشهادة ، بدلالة أنّ الحاكم يلزم والشاهد يشهد .

ثمّ ثبت أنّ الشاهد لو وجد شهادته تحت ختمه مكتوبة بخطّه لم يشهد بها ما لم يذكر ، فبأن لا يحكم بها إذا لم يذكر أولى وأحرى; ولأنّ الخطّ يشبه الخطّ، ومعناه أنّه قد يكتب مثل خطّه، ويحتال عليه، ويتركه في ديوانه، فلا يجوز قبول ذلك إلاّ مع العلم(2) .

ويستفاد من هذه العبارة ، أنّ نفس الكتابة غير حجّة لدى القاضي; بمعنى: أنّ ما كتبه القاضي ولو ختم بختمه ما لم يذكر أنّه حكم بذلك الحكم ، فليس بحجّة، خلافاً لابن أبي ليلى وأبي يوسف ، واستدلّ على ذلك بقوله ـ تعالى ـ: {وَ لاَ تَقْفُ مَا


(1) سورة الإسراء 17: 36.
(2) الخلاف 6 : 222.

صفحه 127

لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} (1) . وذهب في هذه العبارة إلى أنّ الشاهد لو وجد شهادتهمكتوبة بخطّه ، لا يجوز الشهادة بسببها ما لم يذكر . فيستفاد من كلامه (قدس سره) عدم اعتبار الكتابة ما لم يصل إلى حدّ الذكر والعلم ، فليست حجّة شرعيّة تعبّدية مستقلّة ; لأنّ الخطّ يشبه الخطّ، والكاتب قد يكتب مثل خطّه ويحتال عليه .

وقد ذكرنا أنّ محلّ الكلام فيما إذا أمن من التزوير والاحتيال، أمّا في صورة الأمن فلا وجه لعدم اعتبار الكتابة .

وقال أيضاً في الخلاف في كتاب الشهادات:

الظاهر من المذهب أنّه لا تقبل شهادة الفرع مع تمكّن حضور شاهد الأصل، وإنّما يجوز ذلك مع تعذّره، إمّا بالموت، أو بالمرض المانع من الحضور، أو الغيبة. وبه قال الفقهاء، إلاّ أنّهم اختلفوا في حدّ الغيبة . . .(2) .

أقول: يستفاد من عبارته أنّ الشخص لو تمكّن من الحضور أمام الحاكم ، لم يصحّ الشهادة على الشهادة فكيف بالكتابة ، وبعبارة اُخرى: أنّ شهادة الفرع تصحّ في صورة العذر، فلا تصحّ الكتابة فيما لم يكن الشاهد معذوراً .

وقال في المبسوط:

روى أصحابنا; أنّه لا يقبل كتاب قاض إلى قاض ولا يعمل به، وأجاز المخالفون ذلك ، قالوا: يقبل كتاب قاض إلى قاض وإلى الأمين، وكتاب الأمين إلى القاضي والأمين; لقوله ـ تعالى ـ في قصّة سليمان وبلقيس: {قَالَتْ يَـأَيُّهَا الْمَلَؤُا إِنِّى أُلْقِىَ إِلَىَّ كِتَـبٌ كَرِيمٌ * إِنَّهُ مِن سُلَيْمَـنَ وَ إِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ} (3)


(1) سورة الإسراء 17: 36.
(2) الخلاف 6 : 314 مسألة 65.
(3) سورة النمل 27: 29 ـ 30.

صفحه 128

فكتب إليها سليمان، وكانت كافرة يدعوها إلى الإيمان(1) .

ثمّ قال بعد ردّ أدلّة المخالفين: أمّا التحمّل، فإذا كتب القاضي كتابه استدعى بالشهود وقرأه هو عليهم، أو دفعه إلى ثقة يقرأه عليهم ، فإذا قرأه الغير عليهما فالأولى أن يطّلعا فيما يقرأه لئلاّ يقع فيه تصحيف أو غلط وتغيير ، وليس بشرط; لأنّه لا يقرأه إلاّ ثقة، فإذا قرأه عليهما، أو قرأه الآخر فعليه أن يقول لهما: هذا كتابي إلى فلان(2) .

والمستفاد من هذه العبارة عدم اعتبار نفس الكتابة .

وقال العلاّمة في بيان صفات الشاهد:

وهي ستّة: البلوغ، وكمال العقل، والإيمان، والعدالة، وانتفاء التهمة، وطهارة المولد(3) .

وهذه العبارة ـ كما رأيت ـ لا تدلّ على اعتبار النطق، ولم يذكر في عداد صفات الشاهد حضوره والتنطّق بما يعلمه، فلا يستفاد شرطيّة الحضور .

وقال في الفصل السادس من التبصرة في بقيّة مسائل الشهادات ـ : لا يحلّ للشاهد أن يشهد إلاّ مع العلم، ولا يكفي رؤية الخطّ مع عدم الذكر وإن أقامغيره(4) .

والظاهر من هذه العبارة عدم اعتبار الكتابة ، وبعبارة أُخرى: الظاهر منالعبارة أنّ حضور الشاهد عند الحاكم والتنطّق بما يعلمه أمرٌ مفروغ عنه عنده فتدبّر .


(1) المبسوط 8 : 122.
(2) المبسوط 8 : 124.
(3) تبصرة المتعلِّمين : 182 .
(4) تبصرة المتعلِّمين : 183.

صفحه 129

وقال في الإرشاد في كيفيّة الحكم:

ويحرم عليه أن يتعتع الشاهد; بأن يداخله في التلفّظ بالشهادة أو يتعقّبه ، بل يكفّ حتّى يشهد، فإن تلعثم صبر عليه ، ولو توقّف لم يجز له ترغيبه في الإقامة(1) .

وهذه العبارة تدلّ على كيفيّة سماع الشهادة، وهي مختصّة بصورة النطق، فيستفاد منها مفروغيّة النطق، والحضور أمام الحاكم .

وظاهر عبارة التبصرة والإرشاد وتلخيص المرام(2) أنّ النطق والحضور ليس من شروط الشاهد، فراجع .

وقد يستفاد من كلام بعض أنّ العقود والإيقاعات التي تعتبر فيها الألفاظ الخاصّة ، لا تقوم مقامها شيء من الإشارة والكتابة ونحوهما ، وأمّا الموارد التي لاتعتبر فيها الألفاظ الخاصّة، كالإقرار والشهادة فتقبل النيابة، وبناءً على ذلك لايصحّ لعان الأخرس بالإشارة المعقولة ; لأنّه مشروط بالألفاظ الخاصّة دون الإقرار والشهادة; فإنّهما يقعان بأيّ عبارة اتّفقت، إلاّ أن يقال: إنّ الألفاظ الخاصّة تعتبر مع الإمكان. وعليه: فصحّة الإشارة أو الكتابة متفرّعة على عدم إمكان النطق(3) .

والإنصاف اعتبار حضور الشاهد في مجلس الحكم; فإنّ المحصّل ـ من مجموع الكلمات في الموارد المختلفة ـ اعتبار حضور الشاهد وعدم حجّية الكتابة في طريق الشهادة، وذلك بالقرائن الآتية:

القرينة الاُولى: أنّهم قد اشترطوا في حجّية شهادة الفرع ، عدم إمكان حضور الأصل لمرض أو غيبة(4) ، ونفس هذا الاشتراط يدلّ على لزوم حضور الشاهد في


(1) إرشاد الأذهان 2 : 142.
(2) تلخيص المرام في معرفة الأحكام : 310.
(3) اُنظر الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقيّة : 6 / 189.
(4) إرشاد الأذهان 2 : 165.